منطقة آثار المطرية

القاهرة فى 12/3/2017

شاهدنا الأسبوع الماضى استخراج تمثال رمسيس الثاني من المطرية، وكيف تعامل معه كل من الحكومة والمواطنين، ومن المؤكد أنه لو علم رمسيس الثانى بأن خلفه سيتعامل هكذا مع تمثاله؛ لما أقدم على نحت هذا التمثال من الأساس، ولكن لم يكن ما حدث بمثابة صدمة للكثيرين؛ فنحن على يقين بأن الإهمال هو السائد، ليس في مجال الآثار فحسب، ولكن في مجالات أخرى كثيرة.

وحقيقة أن الملفت للنظر هو تصريحات الخبراء والمسئولين عن منطقة المطرية وما تحتويه من آثار كثيرة ما زالت مدفونة تحت أقدام المواطنين في حي المطرية، وكان الملفت في نظري، ليست هذه التصريحات أو التكهنات، لكن ما لفت نظري حقيقة، وأصبت بعده بصدمة عنيفة، لم أفق منها إلا بعد أن قررت أن أكتب في هذا الأمر، هو أن السادة المسئولين قد قرروا أن يتم نقل التمثال من المطرية؛ فطرأ إلى ذهني سؤالًا مباغتًا، ألا وهو: لماذا سينقل التمثال من المطرية؟ وعندما قررت أن أربط الخيوط جميعًا ببعضها البعض؛ وجدت أن هناك تمثالًا أثريًا للملك رمسيس الثاني، قد اكتشف، وأن هناك تحت أراضي المطرية كنوزًا من الآثار ما زالت غير مكتشفة، ومتعجبًا قلت: لماذا تنقل هذه الآثار من المطرية إلى مكان آخر؟ لماذا يحرم أهالي المطرية بالاستمتاع بما وهبته إياهم حضارة أجدادهم.

لماذا لا تقيم الدولة منطقة أثرية ومزارات سياحية بمنطقة المطرية فى نفس المكان الذىي تم اكتشاف التمثال به؟

إذا قامت الدولة بهذا؛ فسيكون له مردود إيجابي حقيقي على حي المطرية وساكنيه، بازارات سياحية ومطاعم سياحية وتشغيل هذه المنطقة سياحيًا؛ مما يعود بالدخل على أهالى هذا الحي، والذي استنتجنا من الصور أنهم يعانون اقتصاديًا مثلهم مثل كافة المصريين – لماذا لم تستثمر الدولة هذا الاكتشاف لمصلحة أهالي هذا الحي؟ لماذا لم تستغل الدولة هذا الحدث، وتسوق لقيام منطقة أثرية جديدة في المطرية، تعود بالنفع على الدولة وعلى أهالي المنطقة؟ إن الآثار هي الشاهد الأول والرئيس عن الحضارة المصرية القديمة، وعندما يتم نقلها من أماكنها الأساسية تفقد قيمتها ورونقها، كما تعتبر تزييفًا للتاريخ – فنقل تمثال رمسيس الثانى من المطرية مثله كنقل أبو الهول من الجيزة، كليهما تزوير وتزييف للحقائق التاريخية – لهذا يجب على الحكومة أن تتراجع عن قرار نقل تمثال رمسيس الثاني المكتشف في حي المطرية، وأن تسارع بإرسال بعثات استكشافية متخصصة للتنقيب عن الآثار في هذه المنطقة، والشروع فى إعلان هذه المنطقة منطقة أثرية، وأن تتم معاملاتها على هذا الأساس، والتخطيط لإقامة منطقة خدمات سياحية حول هذه المنطقة من بازارات سياحية ومطاعم سياحية وكافة الخدمات السياحية الممكن تقديمها في هذه المنطقة؛ مما سيكون له نتائج إيجابية كبيرة على هذه المنطقة وأهل هذه المنطقة.

وحتى لا نخوض في أسباب كسر رأس التمثال، هل كسرت منذ 1500 عام، كما قال الخبراء، أم كسرت بفعل التعامل السيئ وغير المهنى مع انتشال (جثة) التمثال باللودر، كما لو كنا ننتشل كومة قمامة، وليس ثروة قومية. نحن نتحدث عن أمر واقع فرضته علينا الظروف الاقتصادية، وبالرغم من أننا بصدد الإفصاح عن نسخة المتحف المصري الكبير بكل التكنولوجيا الحديثة في العرض والتأمين، وكذلك الترميم؛ نجد من ينتشل تمثالًا، لا يقدر بثمن، بلودر حفر الترع والمصارف، وكان المشهد حقيقة هو أسوأ دعاية لمصر فى كيفية تعاملها مع الآثار – وقد تعرضت فى مقال سابق عن مشاكل السياحة، وكيف أننا نسوق لإمكانات سياحية عظيمة بأسلوب خاطئ.

وما أدهشنى هو تصريحات الخبراء والفنيين فى مجال الآثار، وعلى رأسهم زاهي حواس، الذي أكد على أن منطقة المطرية تعوم على الآثار، وأن كل منزل في منطقة المطرية تحته آثار أو مقابر أثرية، وما أذهلنى هو تأكيد المسئولين أنهم سيقومون بنقل التمثال من المطرية، فبدلًا عن أن تقوم الدولة بإرسال بعثات للتنقيب عن الكنز الأثرى المفقود، ستقوم فقط بنقل التمثال المكتشف إلى مستقره الأخير وفقط، بالرغم من أن هذا لو حدث في أي مكان في العالم لتم إعلان منطقة الاكتشاف أنها منطقة أثرية وإبلاغ اليونيسكو والشروع فورًا في التسويق السياحي لهذه المنطقة، والبدء فى إنشاء منطقة سياحية عالمية، ومجمع للبازارات السياحية، تشغيل أبناء المنطقة، ومطاعم سياحية وكافة الخدمات المرتبطة بهذا النشاط لتحقيق الاستفادة القصوى من هذا الاكتشاف العظيم الذي أرادت الصدفة وحدها أن نعثر عليه. أتمنى أن نرى خطة قريبًا لتطوير منطقة المطرية وجعلها منطقة سياحية، خاصة بعد تأكيد خبراء الأثار على أن منطقة المطرية تعوم على بحر من الكنوز الأثرية غير المكتشفة بعد.

هل تستغل الدولة هذا الحدث في تحقيق وتوفير مصادر دخل جديدة لأبناء المنطقة وزيادة مناطقها الأثرية؟ أم سيظل هذا الاكتشاف مجرد حدث بمحض الصدفة، وسيذهب تمثال رمسيس الثانى (جثة) هامدة إلى مثواه الأخير فى أحد المتاحف، وتتجاهل الدولة باقي آثار المنطقة، وتتجاهل توفير فرص للعمل والدخل لأبناء المنطقة، ونكتفى فقط بهذا المشهد غير المهنى لاستخراج تمثال رمسيس الثاني في منطقة المطرية باللودر المخصص لتطهير الترع والمصارف.

أتعجب عندما أرى دولًا لا تملك من التاريخ إلا بضع سنين، ولكنها حفرت اسمها في قائمة الوجهات السياحية العالمية، بالرغم من أن ما تمتلكه في رصيد السياحة مجرد بضعة مبان زجاجية.

تحياتى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد