هُناك فيلم مصري مشهور جدًّا اسمه «المومياء» للمخرج «شادي عبد السلام»، من الممكن أن يكون مُعظمنا قد رآه وهو صغير، أو كبير، وفهمه أو لم يفهم ما هي وجهة نظر المخرج بالضبط؟!

القصة الحقيقية للفيلم؛ قصة غريبة حدثت بالفعل في القرن التاسع عشر، على يد قبيلة صعيدية في الأقصر، وبالتحديد في بلدة «القرنة».

بدأت القصة أيام المصريين القدماء، عندما حدثت ثورات وفترات من الفوضى، مثلما ذكرت برديات كثيرة هذه الفترات، «بردية إيبوير» على سبيل المثال، كان اللصوص يقومون بنهب المقابر والذهب المدفون مع المومياوات، إلى أن وصلت مصر القديمة لعهد الأسرة «الحادية والعشرين»، فلاحظت الأسرة أن كثيرًا من أسلافها من الحكام سُرقت مقابرهم، فكلفوا الكاهن الأعظم لـ«آمون» وقتها واسمه «بانجم»، أن يقوم بجمع مومياوات الحكام السابقين لمصر وكهنتهم، ويدفنهم في مكان سري، بسبب السرقات المتكررة، قام الكاهن ومعبده بتجميع المومياوات، وخبأها في مكان سري بالأقصر، وبالأخص في منطقة «الدير البحري».

وبعد هذه الحادثة بآلاف السنين، وبالتحديد في القرن التاسع عشر سنة 1871م، هناك أخوان يدعوان «محمد عبد الرسول، وأحمد عبد الرسول» جالسون يرعون الغنم في الجبل عند الدير البحري، فهربت ماعز من الغنم من قطيعها؛ فهرول أحد الأخوين وراءها، إلى أن وقفت الماعز في مكان معين، اقترب هذا الأخ من المكان فوجد فتحة عميقة يبدو أنها تعود لبئر، نظر الأخ من الفتحة فوجدها تقود لأسفل الأرض أكثر من 15 مترًا، وفي الوسط لمحت عيناه تابوتًا مصريًا قديم، ففرح الأخ ونزل كي يُخبر أخاه بُسرعة عن آثار.

وكان الليل وقتها قد بدأ يُخيم على المكان، وطبعًا لم تكن هناك كهرباء وقتها في مصر، فأتى أخوه بمصباحين وحبل، وربط أخاه الثاني بعد أن أعطاه مصباحًا، وأدلاه في الفتحة، وظل يهبط شيئًا فشيئًا إلى أن تخطى 15 مترًا، نزل وفك الحبل، فهاله المنظر الذي لم يكن يتوقعه، وكأنه كنز علاء الدين والمصباح العجيب، لم يكن يعلم أنه أمام مكان لم يره إنسان من آلاف السنين غيره.

فعلا ضوء مصباحه وجد أمامه أكثر من 200 تابوت، بالإضافة لتماثيل الأوشابتي، وأواني حفظ الأحشاء، وزهريات من البرونز، وبعض المشغولات الذهبية، فصاح من الفرحة لأخيه الواقف على البئر، وأخبره أن الثراء الفاحش ينتظرهم من وراء الكنز.

لم يكن الأخوان لصوص آثار من قبل، بالمعنى العامي (جات معاهم) مثل فيلم «البيضة والحجر»، فاتفقوا بذكاء فطري أن يظل سر الاكتشاف بينهم، ولا يبيعون باستمرار، كل سنة يدخلون المقبرة مرة واحدة ويبيعون؛ كي لا يلفتون نظر الشرطة إليهم، وحدث فعلًا، لدرجة أنهم لم يدخلوا المكان إلا ثلاث مرات خلال 10 سنوات، وبالرغم من ذلك استطاعوا من خلال تلك المرات القليلة أن يبيعوا الكثير من المومياوات، والبرديات، ومتعلقات الملوك؛ لهواة وتجار الآثار الأجانب.

بدأت الآثار تظهر في أسواق أوروبا، مما لفت أنظار الكثير من الأجانب لتلك الآثار، وخاصة تلك البرديات الهامة، حتى المسئولين المصريين بدأوا يشعرون بالموضوع المُريب أيضًا؛ وأوصلتهم تحريات الشرطة إلى أن مصدر خروج هذه الآثار الملكية والبرديات هو أحد أفراد عائلة «عبد الرسول»، كيف؟!

حدث من أسرة «عبد الرسول» نقطة من الغباء؛ لأنهم عندما كانوا يبيعون الآثار كانوا يخبئونها في «شوال» أرز، فاشترى أحد الأكابر، واسمه «فاروق البرجوازي» منهم قطعتين في «شوال» أيضًا، ومن بعيد كان هناك مُساعد عالم المصريات الأجنبي «ماسبيرو» يراقب الموقف فاشترى القطعتين من «فاروق»، وعرضها على العالم الأثري «ماسبيرو»، وعلى الفور عرف «ماسبيرو» أنها تعود لأسر عظيمة من أسر مصر القديمة، فبلّغ الشرطة المصرية عن أسرة «عبد الرسول».

وبالفعل ألقت الشرطة القبض على «أحمد عبد الرسول» وتعرض لضغط منهم كي يعترف، لكنه لم يعترف، ولم يكن هُناك أية أدلة تدينه؛ مما اضطر الشرطة لإطلاق سراحه.

وعندما أُطلق سراحه بعد تعرضه لضرب وتعذيب من المُخبرين في قسم الشرطة، ذهب لأخيه في البيت وأخبره أنه تحمل التعذيب وحده دونهم، ولم يعترف، فمن حقه أن يكون له نصف «الخبيئة»، و«الخبيئة» هي الاسم الذي أطلقته العائلة على المقبرة، فرفض أخوه، ودب الشجار بينهما.

وكي يُفسد على أخيه كل شيء ذهب «محمد عبد الرسول» للشرطة، وأبلغهم بمكان الخبيئة.

لم يكن العالم «ماسبيرو» موجودًا في مصر وقتها، وكان هُناك عالم آخر اسمه «بروجش» فأوفدته مصلحة الآثار للكشف عن المقبرة، برفقة مساعديه، ومعهم رجال الشرطة أحاطوا مكان الخبيئة، نزل العالم «بروجش» من فتحة المقبرة فهاله المنظر الذي وصفه أنه أبلغ من أي وصف.

كانت المقبرة فيها العشرات من التوابيت، والمومياوات، والأثاث الجنائزي الخاص بعدد من الملوك والكهنة، فقد عثروا على 153 تابوتًا، إلى جانب العديد من الصناديق التي احتوت على تماثيل الخدم «الأوشابتي»، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من البرديات النادرة.

كان من بين تلك المومياوات التي تم العثور عليها مومياوات لملوك عظام حكموا مصر مثل: «سقنن رع، وأحمس، وتحتمس الثالث، وأمنحتب الثاني، وأمنحتب الثالث، وسيتي الأول، ورمسيس الثاني» وغيرهم، هذا
فضلًا عن مومياوات لبعض ملكات وأميرات مصرية؛ وهي مومياوات معروضة بالمتحف المصري حاليًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد