إن الحضارة المصرية هي حضارة موغلة في القدم، من أقدم وأعرق الحضارات القديمة، لكنها تختلف عن الحضارات المعروفة في طول أمدها واستمرارها.
صدرت الحضارة المصرية القديمة عن مقومات روحية، وارتبطت بالدين ارتباط وثيق من أيامها الأولى، بل سخرت علومها وفنونها وآدابها لخدمة الدين والسماء.
ومثلها مثل غيرها الكثير من حضارات الشرق القديم امتزجت فيها الفلسفة بالدين واللاهوت في محاولة تفسير الوجود ومصير الإنسان والهدف من وجوده.

(1) الميتافيزيقا

أساطير الخلق

تميزت الحضارة المصرية بالتعددية، فقبلت كثير من أساطير الخلق في وقت واحد كتفسير لأصل العالم ونشأة الكون، دون التمييز أو الدفاع عن أسطورة لصالح أسطورة أخرى.

فكان لكل منطقة أسطورتها الخاصة التي تحكي نشأة الكون والحياة، وامتازت أغلب الأساطير بما يمكن أن يطلق عليه الفلسفة الطبيعية- وهي رؤية مادية مبكرة تبعد عن التفكير المجرد، حيث ترى لكل قوة من قوى الطبيعة إلهًا يحكمها ويسيطر عليها، ويرئس هذه الآله الإله الأكبر في المجمع المقدس والذي يتكون من تسعة آلهة: التاسوع المقدس.

والتاسوع المقدس عبارة عن أفكار فلسفية علمية عن نشأة الكون تم شرحها للعامة من خلال الأسطورة، فأسطورة هليوبليس تشير إلى فكرة انفصال الأرض والسماء من أصل واحد، فالآلهة جب ونوت – الأرض والسماء – هما أبناء الآلهة شو وتفنيت – الهواء والرطوبة – اللذين بدورهما أبناء الإله أتوم أصل الكون والحياة الذي خرج من عماء المياه “نون”، بينما أسطورة أشمون تشير إلى أن الكون وجميع المخلوقات نشأت من ثمان عناصر أولية – ثامون أشمون – وهي التي خرج منها إله الشمس ثم خلق باقي آلهة التاسوع المقدس والكون.

والعقل المصري في هذه الفترة صاحب تفكير مادي، لا يتصور إيجاد شيء سوى عن طريق التوالد الطبيعي، فتصور الإله كما يتصور الإنسان ذاته.

النص الفلسفي الأول

إن أقدم نص فلسفي مكتوب يعود للحضارة الفرعونية هو أسطورة منف، وقد يُعتقد أن نص فلسفي يعود لأكثر من ألفي سنة على بداية الفلسفة في الحضارة اليونانية على يد طاليس قد يكون في طور النمو أو يعبر عن طفولة الفكر الإنساني، ولكن ما نجده أمامنا هو نص فلسفي في شدة النضج وغاية في التعقيد، قد يكون نتاج عقود طويلة من تفكير الكهنة الميتافيزيقين المصريين.

أسطورة منف كغيرها من أساطير الخلق تحكي نشأة الكون، ولكن مع تطور الفكر تخلت عن فكرة التوالد الطبيعي بين الآلهة وأتت بفكرة ثورية في ذلك الوقت، فالكون طبقًا للأسطورة هو نتاج الفكر، فكر هادف ومُدرك.

عندما وجد الإله الأعلى على ربوة يحيطها ماء، فكَّر وتصوَّر شكل الكون، وعندما أكتمل التصور في عقل الإله أخذ ينطق بأسماء الموجودات، ومع كل أسم يُنطق يوجد الشيء في الواقع.
كل كلمة مقدسة جاءت إلى الوجود من خلال ما فكر فيه القلب وأمر به اللسان.
والقلب يشير هنا إلى العقل والإدراك.

فالوجود هو نتاج الفكر والتسمية – اللغة – ما يوجد في العالم هو ما فكر فيه الإله وأعطاه أسمُا، كل ما كان في فكر الإله ثم أعطاه أسمًا يعبر عنه خرج نتيجة لذلك إلى حيز الوجود والواقع.

العالم إذًا وُجد طبقًا لخطة فطنة، فكر هادف، بل يحافظ على وجوده باستمرار نتيجة إدراك الإله لهذا الوجود، فالوجود هنا هو الإدراك، الفكرة المصرية الثورية التي ربما سبقت الفيلسوف الإنجليزي جورج بيركلي بأكثر من ثلاثين قرن.

وظهرت هنا كذلك للمرة الأولى أهمية الكلمة، فالأسم هو جوهر ومعنى وقيمة الشيء، بل أن الأسم يعني وجود الشيء.
أهمية الكلمة التي انتشرت من هنا للفكر الإنساني كله، فنجدها في فلسفة هيراقليطس “اللوجوس”، وتعني المبدأ الأبداعي والتفكير الخصب المقدس المحرك للكون جميعه، كذلك نجدها في فاتحة الكتاب المقدس؛ فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ”.
ومفهوم الكلمة أيضًا له ما يوازيه في الفكر العبري، فكان يمثل “الحكمة المقدسة”.

إن ما يثير الدهشة حقًا في إسطورة منف، ليس الفكرة ذاتها بقدر التعبير المبكر جدًا عنها، فأسطورة منف هي أول أفكار مدونة للإنسان تدور حول قوة الفكر نفسه.

أخناتون.. الموحد المنشق

تحكي أسطورة الخلق في طيبة عن الإله آمون، الذي لم يكن مرئيًا، أوجد ذاته بذاته في الخفاء بلا أب أو أم، قبل أن يقرر خلق الأرض، ثم ظهر مع تاسوع الأشمونيين قبل أن يسيطر عليهم ليكون الإله الأعظم حافظ مقومات الحياة وشريك في توليد شمس السماء.

عندما أقام فراعنة الأمبراطورية الحديثة (١٥٨٠ ق.م وما بعدها) عاصمة مصر في طيبة، بدء كهنة آمون في اكتساب النفوذ في البلاد.
وكانت الكهنة في مصر القديمة تلعب دور الوسيط بين الشعب والآلهة، حيث كان الاعتقاد السائد بأن الشعب لا يستطيع الاتصال بالآلهة، ومع أهمية الشعائر والطقوس وكثرتها للسيطرة على الطبيعة، وحيثما كان عامة الشعب لا يمتلك الوقت الكافي للقيام بها، فكانت الكهنة تؤدي هذا الدور مقابل المال والقرابين، فأصبحت طبقة الكهنة طبقة ذات نفوذ وسلطة حقًا.

في هذه الظروف جاءت ثورة الملك “أمنحتب الرابع”، الذي بدلًا من أن يقرر تطهير أو إصلاح عقيدة آمون، أوقف كافة الكهنة عن العمل وأعلن أن آمون إله زائف، وقرر أن عبادته إلحاد.
لم يكن هجومه على آمون هجومًا هدامًا ولكنه أعلن استبداله بعبادة آتون إله الشمس، الذي اعتنق عبادته كما صرح نتيجة إلهام شخصي.

امتازت مصر القديمة بقبول التعددية الكبيرة في الآلهة والمعتقدات، فكيف إذًا لاستبدال إله الشمس آمون أو إله الشمس الأعلى رع بالإله الجديد إله الشمس آتون أن يحدث ثورة كاملة في الحياة الاجتماعية؟

دعوة الملك أمنحتب – والذي غير اسمه إلى أسم يجسد الإله الجديد فسمى نفسه أخناتون الذي يعني أن “آتون راضي”- شكلت ارتباكًا كبيرًا للشعب المصري.

اعتاد الشعب المصري على عبادة إله مادي، إله مشخص، مرسوم ومجسد، يرئس مجموعة من الآلهة في التاسوع المقدس، كما اعتاد على أن تكون طبقة الكهنة هي الوسيط بينه وبين الإله فتقوم بدلًا منه بكافة الطقوس والشعائر.

بينما كان إله أخناتون أكثر تجريدًا، إله لا تدركه الأبصار لكن تلتمسه في كل مظاهر الكون، الاقتراب منه وعبادته بالتأمل بعيدًا عن القرابين والماديات، دون أي وساطة من طبقة كهنة، كان المعبد الحقيقي لآتون الهواء الطلق نفسه.
لم يخلق آتون الكون عن طريق التوالد الطبيعي، ربما الكلمة وربما فقط إرادته لذلك، أراد فخلق.
كان آتون هو الإله الواحد ولم يكن ثمة تاسوع مقدس من الآلهة، وكان هذا بالنسبة لمصر، أمرًا جديدًا تمامًا، في المقام الأول كان معتنق عبادة آتون مضطرًا إلى نبذ كافة الآلهة الأخرى، فكان آتون لابد وأن يعبد وحده، لقد كان آتون إله واحد عالمي لكل الشعوب المصريين وغيرهم سواسية.

لم تكن عبادة آتون تعني عبادة الشمس، بل كانت عبادة خواص
الشمس المانحة للحياة، وكلمة آتون تعني بكل دقة “ما بالشمس من حرارة”.

“يا خالق النطفة في رحم المرأة ،،
وخالق سر التناسل في الرجل ،،
ومانح الحياة للشمس ،،
وراعي حق الجنين في رحم أمه ،،
ومانح التنفس لتحيي كل فرد خُلق ،،
ما أعظم أعمالك يارب كلها! ،،
هي خفية عن ناظرينا ،،
يأيها الإله الأوحد، يا من لك من القوة ما ليس لأحد سواك”.

لقد اتخذ أخناتون إجراءات عملية مشددة للحيلولة دون استئناف عبادة آمون، وأمر بوجوب محو اسم آمون من كل نقش في البلاد، ولما كانت الديانة الجديدة ديانة توحيدية، فلقد بدأت حملة ضد كل إشارة إلى الآلهة باعتبار أن في ذلك معارضة للإله آتون.

ولاستكمال انفصاله عن عبادة آمون، أنشأ عاصمة جديدة تكون وقفًا على الإله الجديد بصفة خاصة، وأطلق عليها كما أطلق على كل شيء غيرها أسم آتون، فسماها أخيت-آتون ، ومعناها هو “أفق آتون” .

ولما كان آتون إله عالمي، قرر إخناتون بناء مدينتين أخريين إحداهما في النوبة والثانية في آسيا. لقد أراد أخناتون التوسع خارج حدود الدولة المصرية، ولكن توسعًا غير مادي، لا يقوم على القوة الحربية والسلاح، ولكن يقوم على إرادة الحب والخير للجميع، توسع عن طريق حلم، عن طريق فكرة، عن طريق نشر ديانة الإله العالمي آتون إله لكل البشر، وليس لشعب دون آخر.

على الرغم من ارتباك الشعب المصري ومعارضة كهنة آمون، إلا أن التهديد المباشر لأخناتون وثورته جاء من خارج البلاد. وبدأ الهجوم من الحيثيين على ولاية سوريا، ثم احتل ملك قادش شمال سوريا، وتقدم الأموريون إلى مواقع استراتيجية على شاطئ الفينيق قبل أن يستولي عليها الأشوريون، وتوالت الهجمات من مناطق عديدة، وقام البدو بثورة واستولوا على مدينة مجدو بالقرب من بيت المقدس، لكن أخناتون ظل متمسك بآتون بعقيدة الحب العالمية معتقدًا بأن الدين العالمي الجديد قادر على توحيد كل شعوب المنطقة تحت رايته دون حرب أو قتال. وجد أخناتون نفسه فجأة لا حول ولا قوة له بالخارج ولم يعد له أصدقاء بالداخل، حيث حزب المعارضة صار أكثر جرأة نظرًا لتدهور الموقف بالخارج. ولأن أي إمبراطورية مهما تكن إدارتها تحب الخير والسلام، لابد أن تدافع عنها وتحميها القوة، ففي النهاية، فقد أخناتون تقريبًا كل أمبراطوريته بدون قتال.

يمكن لإنسان أن يعيش بعد الهزيمة، ولكن إلهًا وطنيًا لا يمكنه ذلك. فقد لقيت عبادة آتون وكهنتها نفس مصير آمون سابقًا، وغيرت النقوش مرة أخرى وحظر ترديد أسم الفرعون السابق في الحديث، وإذا لزمت الإشارة إليه، كان يشار إليه بالمجرم العظيم أو المنشق العظيم.

قد يكون من الخطأ الاعتقاد بأن ثورة أخناتون رغم فشلها لم تترك أي أثر على حياة وفكر المصريين، أو أن تحريم عبادة آتون قد محا ذكراها تمامًا من أذهان الناس.

إن البهجة والحرية التي اشاعتها عبادة آتون في نفوس الناس أنتجت تأثيرًا جديدًا متحررًا في مجال الفن. فلقد رُسم الرجال والنساء رسمًا طبيعيًا لم يرسم مثله من قبل. وقد سمح الملك بأن تسجل مناظر من حياته المنزلية تسجيلًا يكاد يبلغ في دقته التصوير الفوتوغرافي. لقد أراد أخناتون أن يصور تمامًا كمان كان في الواقع لا كمحارب أو قائد للجيوش، بل بالأحرى كشاعر أو متنبئ. لقد ظهر الاتجاه الواقعي في الفن بفضل ثورة أخناتون واستمر تأثيره على الفن المصري لمراحل لاحقة.

لقد كان كثير من الحكام والوزراء والكهنة يحسون بالرضا لتفسير حكمة القدماء، موصين غيرهم باتباعها، لكن أخناتون كغيره من حكماء الشرق، تقبلت نفسه الحكمة التي ارتضاها واقتنع بها، وعاشها حتى آخر ايام ثورته، ولم يتخل عن عقيدة الحب والمساواة، لقد كانت حكمة أخناتون حكمة معاشة بحق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد