ما زال الحديث عن أخلاق المصريين القدماء مستمرًا، وكما سبق أن ذكرنا من قبل أن قدماء المصريين لم يكونوا أصحاب حضارة مادية معمارية وفقط؛ بل كانوا أيضًا أصحاب نبوغ أدبي ورقي معنوي؛ تمثل في تلك القيم والأخلاق الفاضلة التي ظلت حضارتهم المادية شاهدة عليها حتى يومنا هذا.

ومن هذه الفضائل فضيلة تُعد من محاسن الأخلاق ومكارمها، وبدونها لا تستقيم الحياة البشرية ولا تصلح، فهي أساس التماسك والترابط والتعاون في المجتمع، وبغيابها يُصبح المجتمع متفككًا مترديًا، يأكل بعضه بعضًا، ألا وهي فضيلة العدل.

فالعدل عند المصريين القدماء خُلق فاضل دعوا إليه وحثوا على الالتزام به، وقد ظهر ذلك واضحًا في أدبياتهم التي وصلت إلينا، حتى أنهم جعلوا للعدل معبودًا خاصًا به، معبودًا لم يكن كغيره من المعبودات المصرية القديمة، وإنما كان فكرة تتلخص في الحق والعدل الذي يجب أن يلتزم به الجميع، فكان يلجأ الضعيف إلى هذا المعبود فيشكو إليه من بطش القوي، ويلجأ إليه المظلوم الذي يئن من اعتداء الظالم، إنها (ماعت) معبودة الحق والعدل والنظام.

وقد كان العدل من أولى وصايا حكمائهم، فها هو الحكيم أمون أم أوبى يوصي ابنه حور فيقول: إن جميع ما تفعله فى غير عدالة لن يجلب لك بركة؛ إذ إن مكيالًا واحدًا يعطيه الرب خير من 5 آلاف تكتسبها بغير حق… والعدل هبة غالية من الرب يهبها لمن يشاء، فالرب يحب إسعاد الفقير أكثر مما يحب تعظيم النبيل.

كما ينصحه أيضًا بتجنب الظلم واحتقار الضعيف، ويبين له عاقبة ذلك؛ فيقول: لا تظلم صاحب الحق، ولا تهتم بشخص لأنه يلبس ملابس بيضاء ناصعة، على حين تترك من يرتدى خرق باليه، ولا تقبل هدية الرجل القوى وتظلم الضعيف من أجله، ولا تؤلفن لنفسك وثائق مزورة، سلم الأمتعة لأربابها، ولا تغتصب متاعهم وإلا هلكت.

أما الحكيم عنخ شاشنقي فكان يوصي ابنه بوجوب الالتزام بفضيلة العدل حتى داخل البيت بين الأبناء، فكان يقول: لا تفضل أحد أبنائك على الآخر وأنت لا تدرى أيهم سوف يكون عطوفًا بك… فقد كان العدل خلق دعوا إلى الالتزام به في كل محافلهم.

ويقدم الحكيم بتاح حتب نصيحته إلى ابنه، فيدعوه إلى الإلتزام بالعدل أيًا كانت وظيفته أو منصبه، سواءً كان قاضيًا أو زعيمًا أو قائدًا، فيقول له: إذا كنت ممن يقصدهم الناس ليقدموا شكاواهم، فكن رحيمًا عندما تستمع إلى الشاكي، لا تعامله إلا بالحسنى، حتى يفرغ مما فى نفسه وينتهى إلى قول ما أتى ليقوله لك… وإن رفقك بالناس عند اصغائك للشكوى يفرح قلوبهم، ويوصيه بالفقراء خيرًا فيقول: أرض العوام فإن النعم لا تكمل من دونهم.

كما يوصيه بالخضوع للحق ولو على نفسه فيقول: إذا كنت زعيمًا يحكم الناس فلا تسع إلا وراء كل ما اكتملت محاسنه، ما أعظم الحق فإن قيمته خالدة ولم ينل منها أحد، والذى يعتدي على ما يأمر به يحل به العقاب، والحق هو الطريق السوى أمام الضال، ولم يحدث أن أوصل عمل السوء صاحبه إلى الأمان.

ويقول له أيضًا: إذا كنت قائدًا كن طيبًا فى تصرفاتك، تمسك بالعدالة لا تكن جشعًا باحثًا عن الثروات، فالشر لا يقود أبدًا إلى بر الأمان… إذا كنت من العاملين فى جهاز القضاء، تجنب أن تنحاز لجانب دون جانب، اترك الناس تقول أفكارها، راع دائمًا العدالة.

وقال حكيم آخر من حكمائهم موجهًا حديثه للقاضي: لا تتكلمن بهتانًا لأنك الموازين، ولا تحيدن لأنك الاستقامة، افهم أنك والموازين سيان.

وربطوا بين العدل وبين الرب واعتبروا أن الظالم الذي لا يلتزم بالعدل فهو واقع تحت غضب الرب، فها هو أحد حكمائهم يقول: لا تنس أن تحكم بالعدل؛ لأن التحيز عدوان على الأرباب، عامل من تعرفه معاملة من لا تعرفه، والمقرب من الملك كالبعيد عنه.

بل إن قدماء المصريين من الحكام والقادة كانوا يفتخروا بهذا الخلق ويدعون أبناءهم إلى الالتزام به، فها هو الملك خيتي يوصي ابنه بالعدل حتى وإن كان عند العقاب؛ فيقول: وإذا عاقبت فراع العدل… لا تقتل ولا تظلم الناس فإنهم عبيد الله يستمع لبكائهم.

أما ملك أهناسيا فيوصي ابنه مري كا رع بالعدل حتى للفقير، ويطالبه بالاعتماد على الرجل صاحب الكفاءة لا لمن هو مقرب منه أو لمن هو صاحب عز وجاه، فيقول: لا ترفع من شأن ابن الرجل العظيم على ابن الرجل الوضيع، بل اتخذ لنفسك الرجل حسب أعماله وكفايته… احم حدودك، وحصن قلاعك، حتى يكون للجيوش شأن في للحفاظ على البلاد.

بل يوصيه أيضًا في حالة إذا أصبح حاكمًا، بكيفية تطبيق خلق العدل بين رعاياه، بل ويبين له درجات المقاضاة والأحكام، وألا يتسرع في العقاب بالقتل قبل العقاب بالضرب والسجن فيقول: أقم الحق طوال حياتك على وجه الأرض، وواسى الحزين، ولا تظلم الأرملة، ولا تطرد رجلًا مما كان يمتلكه أبوه، ولا تلحق ضررًا بالقضاة فيما يتصل بمناصبهم، وكن حذرًا مدققًا حتى لا تظلم أحدًا أو تعاقب دون وجه حق، ولا تقتل فالقتل لا يفيد، ولا يعود عليك بأى خير، بل عاقب بالضرب والسجن، فما أحوج حكام اليوم إلى هذه الصفات، فيا ليتهم يفيقون.

أما القائد العسكري أنتف – أحد القادة المحاربين من عصر الأسرة الحادية عشرة – فكان يفتخر باتصافه بالأخلاق السمحة والعدل فيقول: قد كنت رجلًا حارب القسوة وأمرت بتطبيق القانون بالعدل.

بل القضاة أنفسهم كانوا يفتخرون أيضًا بأنهم حكموا بالعدل بين المتنازعين والمتخاصمين، فها هو أحد قضاتهم يقول عن نفسه (إنه جعل المتخاصمَين يخرجان مسرورَين من المحكمة، وأنه كان يهتم بأن يحفظ للابن مال أبيه وممتلكاته حين يكون في الأمر خلاف).

وهذا رئيس عمال يفتخر أيضًا بعدله فيقول عن حسن معاملته لمرؤسيه: عاملتُ كل عمالي برفق وما ظلمتهم أو أهنتهم.

أما الفلاح الفصيح الذي يشكوا إلى الملك ظلم الأمير فقد أثار فكرة العدل بقوة، إذ يقول: إن أصدق وزن للبلاد هو إقامة العدل، كن صبورًا حتى يمكنك أن تصل إلى العدل، ولا يوجد انسان طائش يجيد عملًا، اجعل عينيك تتأملان، وعلم قلبك ولا تكونن شديدًا بمقدار قوتك، خوفًا من أن يحيق بك المكروه، ولا تحرمن رجلًا رقيق المال من أملاكه ولا ضعيفًا تعرفه، فإن أملاك الرجل الفقير بمثابة النفس له.

ولم يتوقف الفلاح الفصيح – الذي لم يخش بطش الملك ولا جبروته – عند هذا الحد؛ بل دعاه أيضًا بكلمات بجب أن تظل شعارًا لكل حاكم، إذ ناداه قائلًا: أقم العدل لرب العدل الذى أصبحت عدالته موجودة … وعندما يكون الحق حقًا فهو إذًا حق لأن العدل أبدي، ويذهب مع من يعمله إلى القبر وسيدفن وتطويه الأرض، أما اسمه فلن يمحا من الأرض، بل سيذكر بسبب الحق وهكذا عدل الله في كلمته.

هذه مقتطفات مما وصل إلينا من تحقيق العدل والدعوة إلى الالتزام به عند المصريين القدماء، فما أحوجنا نحن الآن – ونحن ندعي التقدم والتطور – أن نلتزم بهذه الفضيلة، وخاصة أن ديننا الحنيف والشرائع السماوية السمحة جميعها قد دعت إلى التحلي به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد