أعزائي القراء.. كلما تبحّرنا في أدبيات المصريين القدماء، نرى العجب العجاب، فالمصري القديم الذي حث على بر الوالدين وحسن التعامل مع الأم كما عرفنا في الحلقة الماضية، لم يغب عنه أيضًا أن يُحث أبناءه على الزواج وتكوين أسرة تُصبح له عزوة يفخر بها، وفي حديثه عن الزواج لم يترك جانبًا من الجوانب المعاصرة في أمور الزواج إلا وحدثنا عنها، بداية من شروط اختيار الزوجة، وكيفية التعامل معها، وإنجاب الأولاد وتربيتهم، بل لم ينس أن يوصينا أيضًا عن كيفية التعامل مع الزوجة في حال وجود خلافات أسرية، بل أتحفنا بحكمته الراقية عن كيفية التصرف حال إذا ما دعت الضرورة الزوجين إلى الانفصال!

وقد ظهرت هذه الجواهر الثمينة من خلال وصايا حكمائهم، وخاصة الحكيم حتب بتاح[1]. والحكيم آني[2]، والحكيم عنخ شاشنقي[3].

وقبل أن نتعرف على شروط قدماء المصريين عند اختيار الزوجة، دعونا نبدأ الوصايا الراقية التي قدمها الحكيم آني لابنه، حين يقول: احترس من المرأة الأجنبية غير المعروفة في بلدها؛ ولا تبادلها النظرات، ولا تُظهر أنك تعرفها؛ فإن هذه خطيئة عظيمة، حتى إذا لم تتحدث هي بذلك.

ويحذره من الاقتراب من المرأة البعيد عنها زوجها؛ فيقول: إن المرأة البعيدة عن زوجها لُجة عميقة لا تدرك غوائلها حتى تلح عليك لمحادثتها في نعومة ولين، وهى تترقبك حين لا يكون هناك شهود وتلفك بحبائلها، وتلك خطيئة كبرى تستوجب القتل حين يصغى إليها!

ويحذر الحكيم حتب بتاح ابنه من التلصص على النساء، فيقول: تجنب مخالطة النساء، فما طاب مكان حللن فيه، ومن سوء الرأى أن يتلصص عليهن إنسان، وكم من امرىء ضل عن رشاده حين استهواه جسد.

ويحدثنا الحكيم عنخ شاشنقي حديث الخبير بطباع المرأة حين يقول: المرأة جسم من حجر، لن يتأثر بأول من يتعامل معه، وإن عشقت المرأة تمساحًا سايرته في طبعه، وإن أخلصت لزوجها فلن يعاودهما سوء، ولكن ضياع المرأة عدم معرفتها، وزوجة الرجل الأحمق من الممكن أن تضرب أحمقها!

كما حث عنخ شاشنقي ابنه على الزواج من بلد قريب، وبيّن أضرار الزواج من البلد البعيد؛ فقال: لا تدع ولدك يتزوج امرأة من قرية أخرى، وإلا انتزعوها منك! وهذا ما نراه واقعًا الآن!

ويُحثه على الزواج المبكر، فيقول: اتخذ لك زوجة حين تبلغ العشرين، حتى يتأتى لك الخلف، وأنت في معية الشباب.

كما وعظ الحكيم آنى ولده خنسو حتب على الزواج المبكر، وحثه على تكوين أسرة فقال: تخير لك زوجة وأنت شاب، وأرشدها كيف تكون إنسانة، وعساها تُنجب لك طفلًا، فإنها إذا أنجبته لك وأنت شاب استطعت أن تربيه وتجعله رجلًا، وطوبى للرجل إذا أصبح كثير الأهل، ومن الخير أن يبكر في الزواج، وأن يكون للشخص أطفال كثيرون.

وعن شروط اختيار الزوجة يقول عنخ شاشنقي: احذر أن تتخذ فتاة سيئة الطبع زوجة؛ حتى لا تُورث أبناءك تربية فاسدة. بل يطالب الآباء أن يتريثوا في اختيار الأزواج لبناتهن، ولا يجرين وراء الأثرياء؛ فيقول: تخير زوجًا عاقلًا لابنتك، ولا تتخير لها زوجًا ثريًا.

وعن تكاليف الزواج يخبرنا عنخ شاشنقي عن أمر غريب حين يقول: قد تقترض مالًا بفائدة لتتزوج، ولكن احذر أن تقترض مالًا بفائدة لتتعاظم به!

وعن الحب وعدم التباغض بين الزوجين يقول: إذا تراضت المرأة مع زوجها، فذاك فضل من الرب، وحبذا لو تخلص قلب المرأة وقلب زوجها من البغض. ويقول أيضًا: على المرء أن يُحب زوجته، وأن يعمل لها كل خير، وألا يدخر وسعًا في ذلك، فهي حقل طيب يحمل الثمار.

وعن التعامل اليومي مع الزوجة يقول كلامًا قد نراه غريبًا حين يوصيه قائلًا: لا تأخذ كلام المرأة في بالك، لا تفتح قلبك لزوجتك وإلا ذاع سرك، وإذا تهامست المرأة عن زوجها فلن يعاودهما خير، وإذا جعلت امرأتك حارسة على مالك، تطلع إليه، ولا تثق بها، وإن لم تعتن المرأة بمقتنيات زوجها فاعلم أن هناك رجلًا آخر يشغل بالها!

أما الحكيم حتب بتاح فيكشف لنا عن التفاصيل الدقيقة في التعامل اليومي بين الزوجين، ويحذر ابنه من اتخاذ ضُرة لزوجته في بيتها؛ فيقول: إذا أصبحت كفئًا، كوّن أسرتك، وأحبب زوجتك، عاملها بما تستحق، أشبع جوفها، واستر ظهرها، وعطر بشرتها بالدهن العطر؛ فالدهن ترياق لبدنها، وأسعدها ما حييت، فالمرأة حقل نافع لولي أمرها، ولا تتهمها عن سوء ظن، وامتدحها تُخبت شرها، فإن نفرت راقبها، واستمل قلبها بعطاياك، تستقر في درارك، وسوف يكيدها أن تعاشرها ضرة في دارها!

أما الحكيم آني فيُحث ابنه على حُسن التعامل مع زوجته ومساعدتها، وأن يحرص على استقرار البيت، فيقول له: عامل زوجتك برعاية، إن كنت تعرف عنها أنها ممتازة، ولا تقل لها: أين هذا؟ وهاته، إن كنت قد وضعته في مكانه الصحيح. وإن شئت أن تسعد، فاجعل يدك معها وعاونها، حاول أن تمنع أسباب الشقاق في دارك، ولا تعمل على خلقه، واعمل على الاستقرار في دارك، ولكن احذر أن تمشي في طاعة أنثى، أو تسمح لها بأن تسيطر على رأيك.

وعن التعامل مع المرأة التي لا تُنجب، فيقول: لا تهجر امرأة في دارك لأنها عقيم؛ إنما تُنكح الزوجة برغبة زوجها.

أما الخيانة الزوجية والتحذير منها، فقد قال عنخ شاشنقي كلمات توزن بماء الذهب؛ إذ يقول: من نكح زوجة على سرير، نُكحت زوجته على الطين، ومن نكح امرأة جاره، نُكحت زوجته على عتبة داره، وانما تفجُر المرأة برضا زوجها! أي كما تدين تُدان.

وفي حالة اذا دعت الضرورة للانفصال، فقد أوصى القدماء بأن يُسّرحها بمعروف؛ فها هو الحكيم حتب بتاح يقول: إذا رُزئت بزوجة رعناء ومُسيئة لمواطنيها، ترفق بها أمدًا، ولا تعجل بتسريحها، ودعها تطعم خبزك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد