تعد الحضارة المصرية القديمة من الحضارات التي أذهلت العالم بأسره، فقد وقف حائرًا أمام تفسير لغز هذه العظمة التي امتدت إلي قرون من الزمن، لم تنطمث أو تضمحل مثل الحضارات الأخرى الحديثة التى لم تستطع الصمود أمام التغيرات التي يمر بها العالم.

 

وتعد أهرامات الجيزه من أروع مناطق العالم وأكثرها تشويقًا، ليس بصفتها إحدى عجائب الدنيا السبعة فحسب، بل لأنها واحدة من أكبر الألغاز في التاريخ القديم والحديث التي يستعصي على العقل البشري تفسيرها؛ فهي تدخل في نطاق الإعجاز المبهر التام.

 

تزخر مصر بمائة هرم مكتشف حتى الآن، الهرم الأكبر وحده يحتوي على مليونين وثلاثمائة ألف قطعة حجرية، متوسط وزن الحجر الواحد طنان ونصف, ومتوسط حجم الحجر الواحد متر ونصف مكعب, سقف الغرفة الرئيسة مكون من قطعة حجرية واحدة تزن خمسة عشر طنًا, وقد تم تقطيع الأحجار من مناطق بعيدة تبعد مئات الكيلومترات, ويصل ارتفاع الهرم الأكبر إلى 146 مترًا, وبأحجار الهرم الأكبر وحده يمكننا إقامة سور حول الكرة الأرضية بأكملها عند خط الاستواء بارتفاع 30 سم مربع!!

إنه عمل غريب حقًا, يحيطه الغموض من كل جانب, فكيف لبشر طبيعيين مستخدمين أدوات خشبية تشيد بناء كهذا؟!

 

وقد اختلف العلماء وتعددت النظريات لشرح أسباب بنائه، وكيفية تشييده، وأشهرها:

 

• الفراعنة هم بناة الأهرام المصرية:

جمهور كبير من العلماء يرون أن الفراعنة هم بناة الأهرام، ويستندون في ذلك على أن جميع النقوش باللغة الهيروغليفية المدونة على الآثار المصرية تروي أن تلك المباني تؤول ملكيتها إلى الفراعنة، وكذلك إدعاء الفراعنة أن تلك المباني مقابر لملوكهم.

 

ولكن ذهب البعض إلى أنه من الناحية المنطقية يستحيل أن يبني الفراعنة الأهرام مستخدمين في ذلك الأخشاب لتقطيع الحجارة الكبيرة، ونقلها مئات الكيلومترات. كما أن تاريخ قدماء المصريين دون بواسطتهم أنفسهم وبالتالي تنعدم فيه – حسب رأي البعض- المصداقية الكافية بما في ذلك أنهم بناة الأهرام, كما أن الفراعنة اشتهر لدى ملوكهم بعد التنصيب عملية إزالة النقوش من جدران الأبنية المختلفة لتدوينه من جديد بشكل يجعل تلك الأبنية وكأنها شيدت في عهد الملك الجديد.

 

• اليهود هم بناة الأهرام المصرية:
ذهب البعض إلى أن اليهود هم بناة الأهرام وأن تكليفهم ببنائها كان أحد أنواع التسلط الفرعوني للاستعلاء عليهم، ولكن لا يوجد أي دليل واحد على ذلك, كما أنه لا يوجد تفسير واحد يشرح كيف استطاع اليهود بناء تلك الأبنية المعجزة بالسخرة.

 

• الجن المسخر لسيدنا سليمان – عليه الصلاة السلام- هم بناة الأهرام المصرية:
يعتقد بعض المسلمين أن الجن المسخر لسيدنا سليمان – عليه الصلاة السلام- هم بناة الأهرام المصرية ويرجعون ذلك إلى أن الله سبحانه وتعالى سخر الجن لسيدنا سليمان – عليه الصلاة السلام– يعملون بين يديه أعمالاً خارقة تفوق قدرة الإنسان.

 

ولكن قوبل هذا الرأي بالرفض الشديد, حيث إن سيدنا سليمان – عليه الصلاة السلام– لا يمكن أن يهدر الوقت والجهد في ما لا يفيد, كما أنه لا يوجد دليل واحد على ذلك خاصة وأن الأهرام توجد في مصر فقط ولا يوجد أي منها في مقر سيدنا سليمان – عليه الصلاة السلام– في فلسطين.

 

• بناة الأهرام غزاة من الكواكب الأخرى:

يروج كثير من العلماء أن تشيد تلك المباني لم يتم إلا على أيدي مخلوقات فضائية غزت الأرض في الماضي، ويستند أصحاب هذا الرأي على الآتي:
1- يستحيل بأي حال من الأحوال أن تشيد تلك الأهرام بأيدي بشرية تعتمد على أدوات يسيرة.
2- اتجاه الهرم الأكبر نحو الشمال الجغرافي بدقة مذهلة .
3- تولد مجال مغناطيسي حول قمة الهرم بسبب ذلك التصميم الفريد.

 

ولكن ذلك الرأي – الذي لا يوجد أي دليل يدعمه- يدل على عجز العلماء عن تفسير كيفية وأسباب بناء الأهرام.

 

هذا بخلاف نظريات أخرى كثيرة أكثر شذوذًا واستخفافًا تتحدث عن كون الأهرام بُنيت قبل طوفان نوح!! وأن بناة الأهرام هم من أبناء المستقبل, عادوا إلى الماضي لبنائها!! أو أن الهرم عبارة عن تكوينات طبيعية تشكلت مع خلق الله الأرض مثل الجبال!! حتى وصل الشطط ببعض الباحثين للزعم بأن الله هو من بنى الأهرام لتقام حولها طقوس العبادة!!

 

• قوم عاد هم بناة الأهرام المصرية:
يذهب إلى هذا الرأي محمد سمير عطا في كتابه “الفراعنة لصوص حضارة” حيث يؤكد في كتابه نظريته القائلة بأن الفراعنة ليسوا بناة الأهرام الحقيقيين، ويعتقد أن بناتها هم قوم عاد الذين شيدوا عمادًا “لم يخلق مثلها في البلاد”، ويسوق لنا الكثير من الأدلة منها أن قوم عاد كانوا ضخام الحجم؛ طول الواحد منهم يقترب من ارتفاع النخلة أي حوالي 15 مترًا في السماء.

 

وقد ورد في الحديث الشريف عن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: “خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص من بعد حتى الآن”؛ مما يعني أن أحجار الأهرامات والتي يزن الواحد منها 2500 كجم تقريبًا، إنما هو بالنسبة لهم مجرد طوب، بينما الفراعنة لا تزيد أحجامهم عن أحجامنا كثيرًا كما تثبت مومياواتهم.

 

وقد ساق الباحث في كتابه العديد من الآيات القرآنية الدالة على أن قوم عاد هم بناة الهرام منها قوله تعالى: “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” سورة الشعراء، والريع هو المكان المرتفع من الأرض، وجاء في أسباب نزول الآية أن سيدنا “هود” عليه السلام احتج على قومه بتركهم الإيمان بالله وانشغالهم ببناء أبنية ضخمة كالجبال على المرتفعات لمجرد التفاخر. وتنطبق هذه الأوصاف على الأهرام فهي بناء ضخم كالجبل بُني على مرتفع نطلق عليه هضبة الأهرام.

 

ومنها قوله تعالى: “الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ”، إن حضارة قوم عاد من أكثر الحضارات غموضًا، فلم يعثر حتى الآن على آثارهم رغم روعتها وضخامتها، كما اختلف السلف في تحديد مكانها كثيرًا، ويزعم البعض أنه ربما اندثرت أبنيتهم أو مخفاة عن الأعين، ولكن قال تعالى: “وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ”، وهي آية صريحة أن مساكنهم مرئية للعيان. وكذلك قوله” فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ…” مما يعني أن الله تعالى أبقى مساكنهم عبرة لمن بعدهم للعظة، وما نعتقد نحن أنها معابد فرعونية إنما هي مبانٍ لهم كانوا يسكنوها.

ثم يستشهد الباحث بالآية القرآنية “وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ” سورة الحاقة، وتعني الآيات أنهم اندثروا بسبب ريح شديدة أهلكتهم ولذلك لم نعثر على جثثهم.

 

ويدلل المؤلف بأن أبا الهول عند اكتشافه كان مغطى بالرمال، ولا يمكن لعوامل التعرية أن ترفع الرمال إلى هذا الارتفاع العالي دون بقية الأماكن، مما يؤكد أن رياحًا عارمة هبت على تلك المنطقة، وهو نفس أسلوب عقاب قوم عاد.

 

كما أن تمثال أبي الهول غير مدون عليه أية كتابات تثبت انتماءه لأي من الفراعنة، مما أذهل العلماء أن أكبر وأشهر تمثال في العالم غفل الفراعنة عن التدوين والنقش عليه، وهو ما يرجع إلى أن أبا الهول كان مغطى بالرمال في عهد الفراعنة فلم يكتشفوه، بينما أكد العديد من علماء الجيولوجيا بأن تحليل الترسبات على جسد أبي الهول تدل على وجود كمية مياه هائلة أذابت الكثير من على جسده، مما يدل أنه عاصر العصر المطير الذي انتهت حقبته منذ ما يناهز 11.000 عام.

 

وهو ما يعني أنه بكل حال من الأحوال لا يمت للفراعنة بصلة، وأن لغز الأهرام المدفونة بالرمال وغير المكتملة البناء التي حيرت العلماء، جاءت بسبب اندثار البناة من قوم عاد بريح مفاجأة عاتية، حيث إنه تم اكتشاف 65 هرمًا مدفونًا بالرمال غير مكتملة.

فلماذا تم وقف العمل فيها فجأة؟! رغم أن الحضارة الفرعونية لم تختف من الوجود فجأة!!

ولا يعترض مؤلف الكتاب على فكرة أن يكون الفراعنة قد سكنوا مساكن قوم عاد لقوله تعالى: “وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ” سورة إبراهيم، ثم قاموا ببناء حوائط داخلية لتتناسب معهم، مع زخرفتها بنقوش ونسب فخر بنائها لهم، تمامًا كما فعل النصارى الأوائل حينما سكنوا معبد إدفو هربًا من اضطهاد الروم لهم، ثم قاموا بشطب النقوش الفرعونية من جدران المعبد لأنها تمجد ديانة أخرى.

 

ومن هنا نجد أن هناك لبسًا وخلطًا بين حضارتين متتابعتين على أرض واحدة بسبب قصور في المعلومات، فتاريخ الفراعنة كان مجهولاً قبل مجيء الحملة الفرنسية، وبترجمة اللغة الهيروغليفية 1822، تسرع الجميع وألحقوا كل شيء سابق على الحقبة النصرانية إلى الحضارة الفرعونية.

 

وبكل حال من الأحوال كلام محمد سمير عطا لم يسلب مصر مجدًا، بل أضاف لها بعدًا تاريخيًّا هامًا ما كان يخطر ببال أحد، وهو أن أرض مصر – وكلمة مصر تعني في اللغة العربية المنطقة الرئسية – قد احتضنت حضارة أخرى سابقة للفراعنة، وذلك يعني أن حضارة مصر تمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة بكثير وهو ما نظنه الآن، فربما تمتد الحضارة المصرية إلى 10 آلاف عام أو أكثر، فقوم عاد هم خلفاء قوم نوح عليه السلام.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد