(1)

انتهيت منذ بضع ساعات من مشاهدة المسلسل العبقري (Breaking Bad)، فقبل مشاهدة الحلقة الأخيرة وضعت على جدول أعمالي أن أستهل مشاهدة المسلسل العبقري (House of Cards) هو الآخر فور الانتهاء من الأول، أردت أن أبدأ سريعًا كي أستطيع اللحاق ومتابعة المسلسل حلقة بحلقة كما يفعل أي إنسان طبيعي، وليس كما أفعل أنا فأشاهد خمس أو ست حلقات يوميًا؛ بسبب انشغالي معظم الوقت في ارتباطات الدراسة أو غيرها. وحتى كتابة هذه السطور، فإنة (House of cards) بُث منه ثلاث حلقات من جزئه الثالث، ولذلك وجب الإسراع.

 

(2)

“في السينما لا توجد نهاية ولا حتى توجد بداية، كل ما هناك هو شغف في الحياة لا حدود له”. – فيدريكو فيلليني – كاتب ومخرج إيطالي.

(3)

اختلف الوضع كثيرًا بعد مشاهدة الحلقة الأخيرة من Breaking Bad، لم أستطع – أو ربما لم أرد – أن أتركه، شعرت أن جزءًا منه تملكني، ما لا يقل عن سبع وأربعين ساعة على مدار حوالي شهر كامل، عشتها وقضيتها أشاهد “والتر وايت” و”جيسي بينكمان”، أليس من الصعوبة أن يختفوا فجأة هكذا؟

(4)
نعم إنه كذلك! فمن الصعب أن تترك شخصيات قضيت معها هذا العدد من الساعات، حتى وإن كانت شخصيات سينمائية أو خيالية، هل يمكنك ترك “شلة” أصدقائك فجأة لتحصل على غيرهم بعد دقائق من تركك الأولى؟ لا أعتقد، حتى وإن كانت هذه هي النهاية بالنسبة للأوائل. لطالما أخذت على عاتقي ألا أشاهد فيلمين متتاليين في يومٍ واحدٍ، وألا أشاهد مسلسلين مختلفين في يومٍ واحدٍ – يشذ عن هذه القاعدة معظم الأفلام والمسلسلات العربية – حيث ينبغي أن يكون هناك فاصلٍ ما، فاصل من الوقت كافٍ لاستيعاب الفيلم/ المسلسل الأول، لحين الاستعداد نفسيًا إلى حد ما.

تستعد نفسيًا لبداية فيلم/ مسلسل جديد، أو حتى قد يكون هذا الفاصل من باب ضيق الوقت والالتزامات الخاصة لكلٍ منّا، كل ما نحتاجه هو “عِدّة”.

(4)
دنيا وتمثّل عليّ
طايرة بيك وطايرة بيّا
صرت مش عارف يا روحي
أنتِ روحي بين إيديّا ولّا حتى أنتِ سينما

(5)

تملكتني قناعة أنه بمجرد انتهاء الفيلم مع ظهور كلمة “النهاية” أو “THE END” أو “LA FIN” أو ما يعادلها من اللغات المختلفة حسب لغة الفيلم، أنها صافرة انطلاق مرحلة “العِدّة”، ليس مقصودًا بها “المفك” أو “الشاكوش” أو حتى أي من ملحقاتهما، وإنما عِدّة كعِدّة الطلاق، أو عِدّة الوفاة.

العِدّة لغةً يُقصد بها العَدّ بمعنى عدّ الأيام أو الفترات وإحصائها، و”العِدّة” اصطلاحًا هي المدة التي تنتظرها المرأة سواء “للتفجّع على وفاة زوجها” أو “لمعرفة براءة رحمها” أو “لمفارقة زوجها بالحياة أي الطلاق، أو بالموت أي الوفاة”، ومن هذا يمكننا تلخيص معنى العِدّة لغةً واصطلاحًا أنها مرحلة انتظار واستيعاب لحدثٍ معين، مرحلة نهاية فترة أو حِقبةٍ ما وبداية فترة أو حقبة جديدة ومختلفة، سواء للأفضل أو للأسوأ.

بالمثل ينطبق الحال على الأفلام والمسلسلات، فإنها تحتاج إلى فترة “عِدة”؛ لتخرج من قصة وحالة الفيلم/ المسلسل الأول – أيًا كانت هذه الحالة – وتقضي “عِدّتك” أو فترتك الانتقالية في اللاشيء حتى تنتهي؛ لتدخل بروحك وعقلك وحواسك الخمس في فيلم/ مسلسل جديد، بحالة جديدة تمامًا، حالة مستوعبة جميع ما سبق بكل أحداثه، حالة مستعدة لتشاهد أحداثًا جديدة دون أن تشتكي من “عُسر هضم” في منتصف الفيلم/ المسلسل الجديد.

(6)
دمعتك دمعة عيونك ولّا صورة مصوره
ولّا لحظة من جنونك صورتها الكاميرا
اعذري يا نور عيوني.. حيرتي وشكّي وظنوني

(7)

فترة “العِدّة” في الأفلام/ المسلسلات تختلف عن “عِدّة المرأة”، حتى أنها تختلف من فرد لآخر حسب “هضمه” للفيلم/ المسلسل المنصرم وأحداثه، أظن أن فترة “العِدّة” قد لا تقل عن 3 ساعات بين الفيلم/ المسلسل والآخر، أما بالنسبة للحد الأقصى لها فهو غير محدد، قد يكون بضع ساعات أو يومًا، أو حتى أكثر من يوم؛ فنجد من يَهِيم بفكره وعقله في فيلم لمدة أيام بعد إنهائه، ما زال يعيش بداخله ويسكنه، قد يتطور الوضع مع آخرين لتستمر عِدته إلى أسابيع، ربما تطول هذه الفترة رغمًا عنه – لأنه ليس لديه أفلام/ مسلسلات أخرى – أو – لأنه مشغول – أو تطول بقصدٍ، فيكون بانتظار هضم الفيلم/ المسلسل السابق؛ ليستعد لمعركته القادمة الجديدة.

(8)
ضحكتك في القلب نجمة
نجمة تلمع من بعيد
ولّا هي يا حياتي
لقطة من الفيلم الجديد

(9)

شاهدوا أفلامًا كثيرة، لأن الجمال لم تعد تراه أعيننا في واقعنا الأليم، لم نعد نرى الجمال إلا في السينما والدراما، لم نعد نراه إلا في الخيال، فلنحاول الهروب من هذا الواقع في مثل هذه الأفلام.

ارمِ نفسك بداخل كل فيلم، عِشْ كل مشهد، وحتى لو انتهى الفيلم، ابق بداخله ولا تخرج، عِشْ بداخله واستمتع لأطول فترة ممكنة حتى تشبع منه وتقرر الخروج، فتخرج لتقضي فترة العِدّة وتدخل في غيره.

(10)
دنيا وتمثّل عليّ
طايرة بيك وطايرة بيّا
صرت مش عارف يا روحي
أنتِ روحي بين إيديّا ولّا حتى أنتِ سينما

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد