اقترنت بداية شهر إبريل من كل عام بعمليات الخداع والمزاح مع الأصدقاء، تلك العمليات المتقنة في أغلبها التي تخدع بها أحد أصدقائك، ثم تخبره في نهاية الأمر أنها «كذبة إبريل».

ولكن ينتصف إبريل هذا العام، دون أن يوقعنا في أحد مقالبه أو خدعه، يأتي إبريل هذا العام، ويحمل لنا الأمل بين طيات أيامه، لا الخدع.

يوم الجمعة، الخامس عشر من إبريل عام 2016م، اجتمع إخوة ظننا أنهم من فرط خصامهم لن يجتمعوا، وقفوا جميعًا في مكانٍ واحد، وزمان واحد؛ يهتفون بالمطالب ذاتها، هتفوا دون أن يتساءل الواحد منهم عن هوية الذي بجانبه أو انتمائه أو دينه أو ماضيه! بالضبط كما كانوا في يناير الذي يأبى ـ دائمًا ـ الرحيل.

وقفوا كتفًا إلى كتف، وضجت حناجرهم على نغمةٍ واحدة، كوَنوا من جديد فسيفساء الثورة التي تصوغ لوحةً واحدة، وتبعث إلى الجميع بالرسالة ذاتها.

ثم انتهى اليوم، بعد أن بعث في أكثرنا أملًا لا ينتهي، انتهى اليوم، ولم يخرج علينا أحدٌ ليفاجئنا أنها لم تكن سوى «كذبة إبريل». انتهى حقيقيًا واقعيًا بكل تفاصيله وجوانبه. انتهى وملامحه تخبرنا أنها فقط البداية.

وعلى الرغم من محاولات التفرقة التي بعثها المزايدون من كل فصيل؛ إلا أن اليوم تم بنجاحٍ باهر وصورةٍ مكتملة.

لم يكد اليوم يبدأ بعد، حتى خرج علينا من يزايد على جماعة «الإخوان المسلمين»، ويخبرهم، بفوقيةٍ مقيتة، أنهم لا حق لهم في الشارع أو التواجد في المشهد، ويخرج في المقابل من يزايد على حركة «السادس من إبريل»، ويسترجع أحداث الماضي بأسوأ تفاصيله لترجيح كِفته ونصيبه من التواجد في الحدث، أو هكذا يظن.

حسنٌ يا صديقي – أينما كنتَ في هؤلاء المزايدين – لا يحق لك أن تمنع أحدًا عن الشارع أو تسلبه بهذه البساطة حقه في المشاركة الوطنية، وأن يكون فاعلًا ومؤثرًا في مستقبل بلاده، لا يحق لك أن تنزع عن أحدٍ مصريتَه وتحتفظ أنت بوصف الوطنية حكرًا عليك.

لا يحق لك يا صديقي أن تمنع أحدًا عن الحراك، بعد أن حجز موطأ قدميه فيه بدم صديقه الذي استشهد أمام ناظريه أو أخيه المعتقل أو أبيه المطارد.
صدقني! لا يحق لك ذلك!

نعم يا صديقي كلنا سيطر علينا الحمق والغباء، وضبابية الرؤية، وربما سوء النية، في فترةٍ من الفترات، الكل أخطأ في مرحلةٍ ما، ولكن أن نجلسَ الآن يكيل كلٌ منا للآخر عبارات المزايدة والتفرقة وأخطاء الماضي ونزاعاته؛ فهذا لا يفيد إلا المستبد الذي خرج الجميع ينادي بسقوطه يوم الجمعة.

علينا أن نبحثَ عما يجمعنا لا ما يجعلنا أقطابًا متنافرة، ولو نظرنا إلى الجمعة الماضية لأيقنا أن ما يجمعنا كثير، لا يمكن تجاهله أو محوه.

على الرغم من تمسك جماعة الإخوان المسلمين برمزية شعار رابعة لهم؛ إلا أني لم أره في مشهد الجمعة الرائع، وعلى الرغم من اعتياد حركة السادس من إبريل على رفع شعارها في كل الفعاليات التي تنظمها أو تشارك فيها، إلا أنهم لم يرفعوه على سلم نقابة الصحفيين. لم أرَ إلا لوحاتٍ بسيطة خُطت عليها عبارات الثورة الجامعة، ولم أسمع أيًا من الشعارات الحزبية التي تميز فصيلًا دون آخر، لم أسمع إلا اسم مصر في هتافات الجميع. كان اليوم مصريًا بامتياز، ويصعب وصفه بغير ذلك.

يؤسس هذا اليوم وبكل قوة لمرحلةٍ جديدة من استرجاع روح الثورة الجامعة وربيعها الغائب،

يفتح الطريق أمام أيامٍ أخرى بذات الروعة، بل أكثر.

أيامٌ، يمكننا أن نرى فيها تلك الوجوه الطيبة من مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية، بعد أن ظننا أن الأمر قد اقتصر على الشباب فحسب؛ وأن أغلب هذه الشرائح العمرية: إما يقف في صف الثورة المضادة، أو أنه في أفضل أحواله، لا يبالي بشيء مما يدور.

يعود الأمل وبقوة، بعد أن ظنناه رحل عن بلادنا بغير عودة، تعود قوة الجمع إلى الشارع من جديد، بعد محاولات التفتيت والإفراد.

أي خلافٍ قائم بين أطياف الثورة عليه ألا يُطرح الآن، وأي طرحٍ لأي خلافٍ في هذه المرحلة خيانةٌ للثورة، وخدمة جليلة تُقَدم للنظام على طبقٍ من ذهب.

بعد أن سمع النظام هدير نهر الثورة، وطوفان الغضب، عليه أن يوقن أنه لن يرانا، بعد الآن، قطراتٍ متفرقة؛ بل نهرًا جارفًا، يعيد لتلك الدولة قيمتها وكرامتها، بعد أن أهانها أمام الدنيا بتصرفاته التي يغلب عليها الجهل والسفه، والرخص البالغ في كل شيء.

أقوى ما تنبض به قلوبنا الآن هو الأمل الذي جاءنا في منتصف إبريل، وصادف أنه لا يكذب.
أخيرًا، عاد الشعب من جديد يهتف بأنه «يريد» لا «يطلب».

يأمر ولا يستجدي التنفيذ، أخيرًا غادر الخوف قلوب تلك الجموع، وسكن قلوب جلاديهم. أخيرًا، عادت الثورة تدق أبوابنا من جديد. أخيرًا، رفع الجميع للثورة أذانًا واحدًا، واصطفوا للصلاة.

فاجتمعوا إلى ثورتكم، يرحمكم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إبريل
عرض التعليقات
تحميل المزيد