كل يوم تترك فيه فراشك الوثير باكرًا والناس نيام، كل لحظة كابدت فيها عينيك النائمة الساهدة والناس أيضًا نيام، كم مرةً هرولت بين جحافل الناس المستكينة في مشِيتها حتى ظنوا أنك مختل، كم صارعت الطريق وألم أقدامك وأنت تجري حتى لا تفوّت يومك الطويل جدًا، جرّب ألا تهرول عزيزي ثم أخبرني بكم الأشياء التي تراكمت فوق عنقك، حدثني عن غرفتك التي لا تخلو من أوراق وكتب حوت بداخلها آلاف المعلومات التي تنتظر رأسك المليء جدًا والمُتعب حد الإنهاك، لتصبها صبًا شئت أم أبيت، ثم أخبرني عن علاقاتك أو حب كامن في قلبك!

كم مرة دخلت بيتك لم تؤنس عينيك برؤية أهلك، كم اشتقت إلى حبيب أو صديق ولكن الوقت يقاتلك، هل شعرت يومًا أنك ضائع رغم مجهوداتك؟، ألم تنهكك المعافرة في طريق صعب يحكمه الوقت؟، كم مرة بكيت كالأطفال خوفًا ألا تصل ومع ذلك ما زلت مستمرًا .

ما مدى معاناة ظهرك وكتفيك من كثرة ما حملت الكتب، كم وجبة شهية لم تدركها بين أهلك ! أسرد لى اليأس الذي يصيبك عندما تميل لجِلسة الأصحاب ولكن لا وقت لديك سوى لأوراقك وساعاتك الطويلة بين الجدران .

ألم تسأم أذنك من سماع نغمات «المنبة» القاسية التي تشق نومك وأحلامك وتعلن عن استيقاظة واحدة تلو الأخرى، حاملًا معك إجهادك النفسي والبدني.

كم شهر كريم مرّ عليك وأنت تكابد العطش والخمول واشتياقك الروحاني لسجدات الليل الطويلة.

اعلم جيدًا أنه رغم كل ذلك وأنت دائمًا في دائرتي اللوم والسخرية.

إما اللوم على البعُد والانشغال وإما السخرية، فكيف بعد كل ما تُلام عليه وامتلاكك لأطنان الكتب لا تستطيع أن تشخص مرضًا أو تسرد أسماء العلاجات التي تطرب آذان جارتك وتفاخر أبويك، مُعلنًا عن طبيب ناضج سوف يكتشف علاج مرض «بسيط» كالسرطان .

ولكن ما أكثرها الدعابات والضحكات المنطلقة عندما لا تستطيع أن تُذكر ما يتمنون، فالناس يا عزيزي تظن أنك تنهل من الطب وتصبه بين أيديهم في غضون شهرين وأنت كالمسكين غارق بين العديد من المعلومات التي لا تسمن ولا تغني من جوع .

لو يعلم الناس أن خير مؤنس لك هو الصمت والشرود في اللاشيء الذي يحيي فيك ما أماته يوم قاسٍ، يسلب منك كل يوم الخصائص الإنسانية بأنك غير مؤهل للكلل أو الملل والاكتئاب فهذا سيكلفك الكثير من طاقتك، فلا وقت لديك للبكاء أو التذمر وهذا جعل منك آلة متحركة تتنفس، تجنّب ما تشعر لأجل ما تريد .

ولكن حسبك من تحمل مشقات الطب أجرها، حسبك أنك غير مغبون في وقتك وصحتك، حسبك بأنك رغم كل هذا تعيش في وطن ضائع لا ترجو فيه أمل ولا تستبشر بنتائج ما تحملته فيه، ومع ذلك مازلت مستمرُا، مازلت تضرب بخطواتك في كل طريق تستطيع حتى تحيي في نفسك ولمن حولك معاني الإنسانية .

سيلمع نجمك يومًا ما، المهم ألا تيأس وأن تتوقف عن الهرولة وعن محاربة آلام أقدامك يومًا ما، واعلم دائمًا أنه لا يجمعك أنت ومريضك سوى دائرة الألم، الألم الذي أصابه ولا يُشفى إلا بمجهوداتك والألم الذي أصابك من أجله.
يا أنت ومن معك، يامن اتكأ عليهم العالم ليشفي جروحه كن بخير، فأنت لا تلهو أبدًا
رغم قدرتك على اللهو كأمثالك وأقرانك في مثل عمرك، ولكنك آثرت أن تصنع مجدك وأن تخلق كرامة وأن تبعث الأمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المجد, صناعة, مشاق
عرض التعليقات
تحميل المزيد