ظاهرة انتشرت في الحياة الفكرية والسياسية، أنك تجد أحد من يسمون أنفسهم قادة الفكرة والنخبة المثقفة المستنيرة يلقي حكمًا عامًا ضد شخص، أو فصيل سياسي، أو دولة ما، ثم يعلن أنه لا يقبل أي رفض لهذا الحكم الذي أصدره، ويهاجم من يرفض وجهة نظره ويفند دعاويه، ويتهمه بأنه مبرراتي، أو من حزب التبرير – كما يقولون – حتى تحولت عبارة أن هذا الشخص مبرراتي إلى تهمة، يخشى الجميع من أن تلصق به، والواقع أن هؤلاء الذين يعشقون إلقاء الأحكام العامة، ويعلنون رفضهم لأي تبرير يعارض رأيهم، هم مجرد فراعنة صغار، يرفعون المبدأ الذي رفعه فرعون من قبل «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ»، هم مستبدون وطغاة على مستوى الفكر، ولو وصلوا للحكم يومًا لصاروا فراعين كبارًا، يفرضون رأيهم بالقوة والقهر، ويرفضون أي رأي يخالفهم، ولألقوا معارضيهم في السجون، وعلقوهم على المشانق، حتى لا يصير هناك صوت إلا صوتهم.

إن ما يسمونه تبريرًا هو وجهة النظر الأخرى، التي يقدمها أشخاصٌ أرقى فكرًا منهم، لأنهم يقدمون رأيهم ويقدمون معه الأسباب والحجج التي دفعتهم لاتخاذه، بينما الفراعين الصغار يقدمون آراءهم بدون ذكر الحيثيات التي بنوا عليها أحكامهم، ألم أقل لكم أنهم فراعينٌ، يظنون أنفسهم أكبر من أن يقدموا تفسيرًا لأحكامهم، يكفي أن يقولوا أن فلانًا سيئٌ وعلينا أن نصدق على قولهم ولا نناقشه أو نعترض، وإلا كنا مبررين سيئين فهم لا يقبلون النقد ولا الرأي الآخر، ويمارسون الإرهاب الفكرى ضد كل من يخالفهم، فيتهمونه بأنه منافق يبرر الأفعال التي تتوافق مع توجهه السياسي، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءة تلك الآراء والنظر فيها، لعلها تكون صحيحة، ولعل رأيهم هو الخطأ، ولكن هيهات كيف يخطئ سدنة الفكر وحمَلة المبادئ، وكيف يتجرأ أحد ما ويراجعهم في آرائهم، إنهم اعتادوا أن يلقوا الأحكام غير القابلة للنقض أو الطعن، وألا يعطوا لمن يتهمونه الحق في أن يدافع حتى عن نفسه ويوضح وجهة نظره.

إن هؤلاء المستبدين قد جمعوا الجهل إلى جانب الاستبداد، والواقعُ أنني ما رأيت في يوم استبدادًا إلا وقد لازمه الجهل، وعلامة جهلهم أنهم يقيسون المواقف السياسية على بعضِها، والعاقل يعرف أنه قلما وجد حدثان سياسيان متطابقان تطابقًا تامًا، فكل حادث له ظروفه الخاصة، وأطرافه المختلفة، وأحداث ودوافع وأهداف مختلفة، فقد تدين غزو دولة لأراضي دولة مجاورة، وقد تؤيد غزو دولة أخرى لجارتها، فالأول قد يكون هدفه تأييد حاكمٍ ظالمٍ في مواجهة شعبه الثائر ضده، والآخر قد يكون من أجل إزالة حاكمٍ ظالم. قد يكون الأول لسلب الموارد الطبيعية للبلد المجاور، وقد يكون الآخر ضربة استباقية حتى لا تتعرض الدولة للغزو.

إن الأحكام العامة سمة الجهلاء الكسالى الذين لا يريدون أن يبحثوا ويدرسوا ليعرفوا تفاصيل الحدث، فيتبينوا الأسباب والدوافع والأهداف المرجوة والظروف المحيطة بالحدث، والتي تحدد إلى حد كبير مساره، فالسياسة كلعبة الشطرنج لا تتوقف على قراراتك فقط ولكن قراراتِ المنافس أيضًا، فقد تُخطط لأمر وتحسن التخطيط، ولكن خصمك يحبط تخطيطك كله بحركة واحدة، فتجبَر على أن تسير في مسار آخر، والنتيجة النهائية في أي فعل سياسي لا تتوقف على ما كنت تريده وتسعى إليه، بل هو محصلة للقرارات التي اتخذتها أنت لتحقيق هدفك، والتي اتخذها خصمك لمنعك من الوصول لهذا الهدف، وبالتالي فالنتيجة النهائية لا تعني أن هذا ما كنت تريده من البداية، بل هو أقصى ما استطعت أن تصل إليه، ولهذا فعلى الباحث قبل إصدار الأحكام على الشخصيات أو الأحداث، أن يعرف من سياق الأحداث والتصريحات ما هي أهداف كل طرف، وما هي الخطوات التي اتخذها لتحقيق هدفه، أو منع الخصم من تحقيق أهدافه، وبعد هذا يحكم على الحدث السياسي ويتقبل الآراء التي تخالف النتيجة التي وصل إليها.

أما ما يحدث لدينا من أحكام عامة صادرة عن جهل بطبيعة الحدث، وقياس معتل على أحداث أخرى لم يدرك أيضًا طبيعتها، ثم بعد ذلك يرفض أن يستمع لأي رأي يخالفه، ويرى أن هذا الرأي المخالف هو تبرير، يُذم صاحبه عليه، وليس رأيًا مخالفًا. فهذا استبدادٌ في الرأي، وإرهاب فكري، ودليل على الجهل، فلم نعرف غير الجاهل معتزًا برأيه، لا يقبل أن يحيد عنه، ولا يرى الحق إلا فيه، أما العالم فسمته أنه ينزل على الحق أينما وجد، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات