العرب وحدهم لا يرضون إلا بالزعماء، هكذا تعلمنا وتعودنا منذ أن وعينا وتفتحت أعيننا على هذه الدنيا، بل وربما حتى صادف آباؤنا نفس الإشكالية فأورثونا إياها لاحقًا. ففي الوقت الذي بدا فيه أن العالم يتشكل وأن خارطة شبه دائمة في سبيلها إلى أن تتخذ موقعها في أطلس أوروبا والعالم وأن نظامًا عالميًا جديدًا يعتمد على المؤسسات يخطو خطوات واسعة نحو التربع على عرش الكرة الأرضية، كان ما تبقى من دولة الخلافة الإسلامية في طريقه إلى العودة لعبادة الأصنام مرة أخرى والتيه في الأرض بحثًا عن الزعيم الإله.

لقد استطاعت الحرب العالمية الثانية أن تتخلص من هتلر وموسوليني واستطاعت الولايات المتحدة أن تحتفظ بشهرة متزنة وليست صارخة لرؤسائها حتى المتميز منهم لكن الدول العربية لم تستطع أن تحذو حذوهم وأصرت على بناء أساطيرها الخاصة لزعماء ليسوا في الحقيقة زعماء، بل ولم يشفع لقادة آخرين – بدوا أحيانًا جيدون – كونهم سلكوا طريقًا آخرًا غير طريق الزعامة ولم ينل ذلك التواضع رضا شعوبهم ولا صبرهم.

وبينما نتصفح التاريخ نرى أصنامًا صنعتها شعوبها، بعضها قد يكون مبررًا وأكثرها لا مبرر له إلا قدرة صاحبها على سحر أعين الناس، نسج قصص خيالية ورسم عدو وهمي أو خطر وشيك، مشاريع قومية عظيمة وشعارات رنانة. مسوغات تعيين لمنصب الزعيم الذي ما إن يتسلم مهام منصبه حتى يخال أنه سيعيش أبدًا. هكذا يكون ما قدمه من أعمال – في معظم الأحيان سينمائية أكثر منها حقيقية – كاف تمامًا ليتقبل منه الشعب بعد ذلك كل أفعاله ويغفر له كل كوارثه ونكساته بل ويبررها له.

لقد فعلها أتاتورك في تركيا واستطاع بعد خمسة أعوام من سقوط الخلافة أن يغير ثقافة شعب بأكمله بدءًا من التخلص من كل ما يمت لماضي تركيا الإسلامي العثماني بصلة (الطربوش – الأذان) وانتهاءً بتغيير الأبجدية من الحروف العربية إلى اللاتينية في نوفمبر 1928. فعلها فهلل له الشعب ولازال يقدسه فهو من حرر تركيا بعد معارك بطولية خاضها في عشرينات القرن السابق، هكذا يردد الأتراك لكنهم ينسون أو يتناسون أن من ورط الأتراك في الحرب العالمية الأولى هم الاتحاديون أنفسهم بعد أن كانوا قد خلعوا السلطان عبدالحميد وصار منصب الخليفة مجرد واجهة يديرون الدولة من خلفها.

لقد فعلها عبد الناصر في مصر واستطاع أن يحول انقلابًا عسكريًا إلى ثورة وأن يدعي نجاح هذه الثورة التي كان من أهدافها إقامة جيش وطني قوي (هُزم هذا الجيش في 56 و67) وإقامة ديمقراطية سليمة (ماتت إكلينيكيا بعد مظاهرات مارس 1954) وغيرها من الأهداف التي لم تحقق. دكت الطائرات الإسرائيلية المطارات المصرية فهتفت جموع الشعب لناصر ألا يتنحى وخسرت مصر عشرات الآلاف من خيرة شبابها في اليمن وفكت وحدتها مع سوريا بعد ثلاثة أعوام وخسرت السودان إلى الأبد فقالوا ليت كل رؤساء مصر مثل الزعيم جمال عبد الناصر.

فعلها أيضًا القذافي وصدام حسين، فعلها بو رقيبة والسادات وحافظ الأسد، فعلوها وسمتهم شعوبهم زعماء فجلسوا على كرسي العرش حتى ماتوا عليه وارتفعت الهتافات لهم حتى عانقت السحب في السماء في الوقت الذي ظلت بلادهم تنخفض ومعها مواطنيها حتى جاوزت الوحل.

 

وبينما كانت عدة بقاع أخرى على هذا الكوكب تركض ركضًا نحو التخلص من ماكينات صناعة الفراعين وتستبدل بها أخرى لكسر الأصنام كانت أوطاننا العربية تغني “اخترناه وبايعناه واحنا معاه ما شاء الله”، وبينما كان هناك رجلًا مثل جورج بوش الابن صارت معه الولايات المتحدة أراجوزًا لفترة لا بأس بها، هذا الرجل استطاع أن يحكم أقوى بلد في العالم لفترتين متتاليتين رغم سوء إدارته للفترة الأولى، كان هناك على الجانب الآخر من المحيط شعبًا يقضي بنفسه على وليده الأول ويغتال اللبنة الأولى لدولة المؤسسات التي يصبح فيها الرئيس شخصًا عاديًا وربما حتى فاشلًا، شخصًا لا يصنف كنصف إله.

 

هكذا صرنا، وهكذا صاروا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد