رغم تعدد أوجه التشابه بين التعاليم البوذية وتعاليم دين الإسلام، إلا أن الصينيين يعتقدون أن النفس البشرية بين أمرين: فهي إما شريرة أو ملائكية. ولا يوجد أية مراحل أخرى بينهما، وربما كان هذا رأي المتعمقين في الدراسة منهم، لكن الغريب أنهم لا يعرفون ماهيتها، أما عوام الناس أو صغار الطلاب فيعرفونها على أنها طريقة الفكر والطبع أو هي الفطرة، ولو تحدثنا عن الفطرة لفتحنا على أنفسنا بابًا في النقاش لن ينتهي. أما البعض الآخر فيتساءل إن كان من الممكن وزن النفس؟ وما هي وحدة وزنها؟ بل ويتعدى الأمر بعضهم لاعتقادهم أن النفس كالدِين هي عبارة علاقة لا توصف.

ويتساءل آخر عما تعنيه النفس؟ ففي رأيه أنها تعني الأفكار والذكريات والاستنتاجات والتجارب وجميع أنواع النوايا المعروفة وغير المعروفة. هي الجهود الواعية والاختيار بين القيام بأمر ما أو عدمه، وهي تراكم كل شيء يصدر عن اللاوعي والعِرق والمجموعة والفرد والأسرة. كما أن السعي وراء هذه الأشياء هو أمر نفسي. وهذا يشمل المنافسة والرغبة. فعندما نواجه أنفسنا نعرف بوضوح أن هذا شر. ويستخدمون كلمة «شرير» في وصفها لغرض ما، ذلك لأن النفس مقسمة والأنا مغلقة: بغض النظر عن مدى سلوكها النبيل، فإن الأنا مقسمة ومنفصلة. لكننا نعلم أيضًا أن هناك بعض اللحظات الرائعة التي تتلاشى فيها الأنا، وهي عندما يوجد الحب.

فمن الواضح أن النفس لا وجود لها عندهم، وما هي في العادة سوى الشخصية أو الصفات. وعلى ما يبدو أنه مع كم الحكمة التي يتحلى بها الصينيون، إلا أنهم ما زالوا في حاجة ملحة لفهم العلاقة بين الجسد والروح والنفس، لكن هذا الأمر سيتطلب الكثير من القوى والنقاش، لأنهم لا يؤمنون بالحياة الأخرى، وعليه فهم لا يؤمنون بالبعث ولهذا يحرقون أجساد الموتى، رغم أنهم يحرقون أموالًا للموتى بعد الموت للتمتع بها في الحياة الأخرى، وربما كان هذا بعضًا مما فرضه الحزب الشيوعي على كل المقيمين في الصين من صينيين وأجانب وهو عدم التحدث في الدين بأي طريقة كونه يعد جريمة كبرى، ونكران البعث هذا قد ألغى عندهم مفهوم الإله. والشخصية الصينية معقدة مضغوطة في المتاع الدنيوي وتحصيل الزائل من المنظور ولا شيء يربطها بخالقها.

وربما يتقارب مفهوم ذلك مع وصف أفلاطون للتفكير قائلًا: هو التحدث والنقاش عن النفس مع نفسها، لكن العرب وبفضل الإسلام واللغة العربية التي تعجز الألسنة عن وصف دقة تعبيرها وحسن التشبية فيها وتعدد ألفاظها وبلاغتها، قد أثرت بداخلهم المعرفة وربطتهم بخالقهم بصورة سامية فضولية أحيانًا ويقينية في كثير من الأحيان. فنرى في اللغة العربية تقسيم النفس وأنواعها المستنبطة من السرد القرآني الرائع. فعرفها الشيخ الشعراوي رحمه الله بأنها هي ما ينشأ من اختلاط الروح بالمادة. وليست هي الروح أبدًا.

ويذكر لنا القرآن الكريم في مواضع كثيرة أنواع الأنفس، وهي:

1- النفس الإمارة بالسوء: وهي التي تأمر صاحبها بفعل السيئات وتحثه على فعل الموبقات من أذية الآخرين وغير ذلك. وهي المعنية في قوله تعالى: (وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وهي أكثر صور النفس شيوعًا لقوله تعالى، إلا ما رحم ربي.

2- النفس اللوامة: وهي التي تلوم صاحبها على عدم فعل الخير أو الإكثار منه، فتندم بعد ارتكاب المعاصي والذنوب حتى ما تلبث أن تظن أن فعلها الخير وإن كثر لا يكفي، فهي في صراع دائم بين المتطلبات والتعايش وبين كبح الجماح. وهي المعنية بقوله تعالى: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) القيامة 2.

3- النفس الملهمة: هي النفس التي ألهمها الله تعالى الخضوع له فتتحلى بالصبر والحكمة والتواضع ولا تنفك تروض صاحبها على تجنب الغرور حتى تتلاشى الأنا. وهي المذكورة في قوله تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا).

4- النفس المطمئنة: من مسماها يتضح مقامها وهيئتها، فهي النفس التي لا يستنفرها الخوف أو الهلع، مطمئنة بوجود الله وراضية بكل أقداره، فتتبع أوامره وتخشى نواهيه. وهي المذكرة في قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) الفجر 27.

5- النفس الراضية: هي التي رضيت وقنعت بكل ما أوتيت، وهي التي ذكرت في نفس الموضع مع النفس المطمئنة، لأنها امتداد لها (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) ويصاحب هذه الحالة زهد واعتزال للدنيا. الفجر 28.

6- النفس المرضية: وهي النفس التي رضي الله تعالى عنها، لأنها لما رضيت بقضاء الله وقدره رضي عنها، فهي راضية مرضية. وجزاؤها يكون الجنة كما في تمام السياق. فتبدأ التأثير فيمن حولها بإيجابية. ويصير صاحبها في خدمة الآخرين ليترك أثرًا طيبًا.

7- النفس الكَاملة. وهي نفوس الأولياء، لأنها تتعلق بالله تعالى بصورة تامة عقليًا وروحيًا، ولا أعتقد أنه يمكن لأحد أن يتحدث عن وصفها لأنها للأولياء وهم بدورهم لا يتحدثون عنها، كما أنه لا أوصاف شائعة لها يمكن الوقوف على درجتها وهيئتها بتتبعها.

واللافت للنظر أننا أصبحنا نسمع في الآونة الأخيرة مصطلح ثق بنفسك، من قبيل تعزيز روح التنمية البشرية وخلق روح المثابرة، لكن بالتدبر في القرآن الكريم نجد أن يوسف عليه السلام مع ما كان به من صبر ومعاناة ومشقة قال: «وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي» فإن كان هذا قد ذُكر على لسان يوسف عليه السلام، فكيف بنفوس عوام الناس؟ كيف لنا أن نثق بأنفسنا إن كانت أكثرها نفوس أمارة بالسوء. وعليه فإن هذه المقولة لا تصح إلا إذا تأكد الإنسان أنه من أصحاب النفوس المطمئنة أو ما علاها. لأنه إن وثق بنفسه وهي من النفوس الأمارة بالسوء لا قدر الله لأهلكته. بل الثقة لا تكون إلا في الله تعالى، لأنه لا يمكن لنا أن نعرف في أي مرحلة من مراحل الأنفس نحن.

فالإنسان من النسيان والقلب من التقلب كما يقول البعض. فأنى لنا أن نثق في عقل يَنسى وقلب لا يكف عن التقلب!

فالأولى هو تهذيب النفس وترويضها على فعل الصالح من العمل والأخذ عليها عند المكابرة أو التطاول.
وإن اجتمع الشيطان مع النفس اللوامة فلا سبيل للصلاح حينها، لأن من حيل الشيطان تهويل المعصية مع الجماعة وتسلية النفس بالعاقبة. والقرآن ينبه: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون. فمن تهذيب النفس ترك المؤقت والغريات وعدم الإستهانة بالمعصية لأانه الكثير من الناس يفعلونها. فعدد القائمين على فعل ما لا يحله إن كان حرامًا. ويوضح مبدأ التخلي قول الأستاذ الأبنودي رحمه الله: «اوعى تبص وراك، الورث تراب وحيطان الأيام طين. وعيالك بيك مش بيك عايشين. فالتفت لنفسك وخذ حذرك منها.

ثم إن النفس لو كلما استعصت أمرًا حثت صاحبها على تركه ما كان هناك صلاح ولا خير. فكل عمل جميل صعب، يجب مجاهدة النفس فيه أولًا. وكما قال عمر بن عبد العزيز» لو أن الناس كلما استصعبوا أمرًا تركوه، ما قام للناس دنيا ولا دين.
وهارون الرشيد يصف تضارب النفس ومجاهدتها بين اليأس والطمع قائلاً:

 النفس تطمع والأسباب عاجزة .. والنفس تهلك بين اليأس والطمع

والأكيد أن النفس السوية لا تقبل الاستبداد ولوكانت قيوده من ذهب، ولهذا فكل ثقة في ما عدا الله تعالى ما هي إلا وهم وخيالات وأطياف من دُخان.
دمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سواها, نفس

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد