وكتاب الله أنت (اتخضيت)

الميثولوجيا كمفهوم تُعرف بأنها مجموعة من الخرافات عاكسة لمجموعة الأنظمة الاجتماعية والثقافة السائدة، یمكن اعتبار الميثولوجيا إذن بمثابة الرابط بین التاريخ الشخصي والتاريخ الجمعي للمجتمع.

(1)

يقول نيتشه إن الكلمة هي نسخة بالصوت لمثير عصبي ما.

وعندما تستمع لقائد جيش (سابق) مخاطبًا مواطنين بقوله إن المسئولية مشتركة ( فيما يزعم أنه مواجهة إرهاب) ويردف “انتو معانا” ويردد “أنا مش حقدر أمنع الناس إنها تاخد بتارها” .

كلامه هنا له أكثر من وجه، الأول أنه يستدعي مواطنين مدنيين ليخوضوا معه معاركه (وهو في غير حالة حرب)، الثاني أنه يستعدي بعض المواطنين على بعض، الثالث والأكيد أنه فشل في أداء مهامه، وما لا يمكن إثباته من هذه الأوجه لا يمكن نفيه على أية حال.

وقوف القائد وهو مرتبك ( في غير مرة) يكرر ما يقول دائمًا إنما هو انعكاس طبيعي لمدخلات نفسه، فهو ينطق بما لا يمكنه تحاشيه ويقول ألفاظـًا بدون مدلول.

بالأخير هو يخاطب مواطنين عاديين ليس في استطاعتهم إحداث تغيير (سياسي واقتصادي وبالطبع عسكري) في المجتمع الذي تحركه قوى أكبر من الأفراد.

(2)

الحياة العسكرية تتعامل مع الصعاب فضلاً عن صعوبتها الذاتية، وعندما كانت الجيوش في الصحراء وعلى الحدود لم يكن يهم أن يجلس القادة في خيم أو معسكرات بين ضباطهم وجنودهم فهم في عزلة يهمهم فقط تأدية مهامهم ، أما حين تتداخل الجيوش في الحياة العامة مجاورة المدنيين ومزاحمة لهم في أنشطتهم السياسية والاقتصادية هنا يظهر بشدة الاهتمام بالشكل والمظهر وتصبح المباني الفخمة ضرورة، ويجلس القادة في الغرف المكيفة ويرتادون الأندية ويسكنون المنتجعات.

إن إظهار المباني العسكرية بنوع من الفخامة الزائدة ما هو إلا ترسيخ لذهنية معينة لدىّ العامة (الذين لا يدرون كيف تسير الأمور داخلها) مفادها أن تلك المباني والوحدات قمة في الانضباط وتستحق الهيبة والاحترام وبالتالي قادتها وضباطها أيضًا.

ظاهر الفعل أنه هيبة ولكن في حقيقته اصطناع لهذه الهيبة ومحاولة فرضها فرضًا.

معروف أن الهيبة العسكرية أمر مهم وضروري لكنه أمر مكتسب لا مصطنع، إن اصطناع الهيبة أمام الكاميرات (دون سند من الأفعال تستوجب هذه الهيبة) هذا الاصطناع يداري الخيبة والفشل في المهام الأساسية ويبعد الناس عن مجرد التفكير في مراجعة ومحاسبة أصحاب هذا الاصطناع، وإلا هل يحتاج قائد عسكري أو قواته (عندما يؤدوا مهامهم بكفاءة) هل يحتاجون إلى طلب الهيبة؟ عندها يمنح الناس لهم الهيبة والاحترام والتقدير عن طيب خاطر.

ويمكننا القول إن الميثولوجيا العسكرية مجموعة من الأوهام التي تعكس نوع الثقافة السائدة داخل الحياة العسكرية والتي يُراد تصديرها كواجهة لهؤلاء العسكريين.
(3)

إن نقد السلطة يقدم خدمة اجتماعية لتبيان كيفية إنشاء الناس لحقائقهم وأوهامهم.
ما نحتاجه حقـًا هو نزع الغمامات التي تحجب عنا الحقائق، نحتاج لرؤية الأمور على حقيقتها (بلا تهويل أو تهوين)، نحتاج بشدة إلى إزالة هذا الترسيب التاريخي للهيبة المصطنعة.

الخطأ هو الخطأ مهما كان من يقوله، لذا نحاول تبديد الأوهام أيًّا كانت.

إن هيبتهم المصطنعة (بلا شواهد تاريخية أو وقائع تدعمها) ما هي إلا وهم، استطاعوا جعل الناس تنسى أنها وهم ونتيجة لهذا النسيان تمكنوا من جعل الوهم حقيقة ثابتة.
(4)

تفك رموز الرسالة (أية رسالة) بأسلوب ما في العقل وتُحول إلى تمثيل افتراضي مُلون للموضوع.
في فيلم الرصاصة لا تزال في جيبي عبر المخرج (حسام الدين مصطفى) بالمقارنة بين مشهدين بطريقة لا تخلو من الحرفية والإسقاط.

في مشهد أول بطل الفيلم (محمود ياسين) عائد في القطار بعد نكسة 67 فإذا به يُقابل بسيل من السخرية والنكات لمجرد اصطدامه بأحد الركاب مذكرين إياه بفشله وبالهزيمة.

يعيد المخرج المشهد نفسه بكل مكوناته لكن بعد نصر أكتوبر73 هنا يُقابل بطل الفيلم بالاحترام والتقدير والإشادة بالنصر من ركاب القطار أنفسهم وينادونه بالبطل ويبادر أحدهم بإجلاسه مكانه.

رسالة المخرج رغم عمقها إلا أنها بسيطة الفهم مؤداها أن الناس تفهم الفشل العسكري وتعاقب عليه حتى لو بالسخرية، وفي المقابل نفس الناس تفهم الإنجاز العسكري وتشيد به وتمجده وصانعيه. باختصار الاحترام والهيبة العسكرية لا يمنحها زي ولا أوامر ولا إعلام، بل تمنحها الإنجازات العسكرية الملموسة وأداء المهام على أكمل وجه، من يبحث عن هيبة عليه أن يبحث عنها بالأفعال الصائبة لا بعنجهية فارغة.
(5)

يقول الإنجليز: “في تقاليدنا تتجسد جميع القوانين”
نعود إلى استدعاء الجيوش للمدنيين بعد فشلهم (أي العسكريين) في أداء مهامهم ربما أنه نوع من التوريط ليصبح الجميع شركاء في صناعة الوضع القائم واستجداء لتأييد شعبي يفي بمبررات لهذا الفشل، ففي النهاية ينسحب القادة العسكريون من المسئولية ويتلقى المدنيون التبعات.

إن مشهد القائد وهو يتحدث إلى الكاميرا ومن حوله كبار قادته لهو جدير بالتأمل، الجميع ما بين ناظر للأرض أو زائغ العينين أو ينظر للمتحدث ولسان حاله يقول: “اتورطنا ومش عارفين نعمل إيه”.

إن إسراعهم باتجاه النهاية بتحركهم نحو كتلة مهتاجة وحمئة لهو أمر كارثي، والأدهى أنه باختيارهم.
في النهاية نُذّكر أنه لا يمكن حل المشاكل بمجرد استعمال تعبيرات مثل: “إنه من مصلحة الشعب – الأمن القومي- كلنا إيد واحدة”.

نحن مضطرون للتوقف عن مخاطبة الناس طالما أنهم متمسكون بالغمامات، وعن مخاطبة المؤسسات لأن تاريخهم فيه كثير من الأخطاء والعبر، وعن مخاطبة السلطة طالما أن هذا هو اختيارهم.
نتخاطب داخل حدود الفانتازيا السياسية وفقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد