نحن نقرأ في الذكر الحكيم قولَهُ تعالى «وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ» [سورة الرحمن:10].

ونعلم يقينا أنَّ هذا كلامُ الله حقاً لا يقبل تغييرًا ولا نسخًا ولا مسخًا.

ونعلم أن هاته الآية لم تُمَيِّزْ بين الأنامِ دينياً أو مذهبياً أوعرقياً أو قومياً أو وطنياً أو إقليمياً أو طبقياً أومادياً، بل أبقت كلمةَ الأنامِ على عمومها حتى يعيش المختلفون في الأفكار والقوميات والشعوب والقبائل في وئام وسلام، قال تعالى «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [سورة الحجرات:13]

بل جعل اختلافَ ألسنتنا وألواننا قَرِينَ خلق السموات والأرض في دلالتها على عظمةِ اللهِ تعالى في خلقه، وَخَصَّ الله -عزّ وجلَّ- أهلَ العِلم بفَهم مغزاها ومرماها، قال تعالى «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ» [سورة الروم:22].

بيدَ أنَّ أهلَ الزَّيغِ والطُّغيان لا يُعجبُهم هذا التفاوتُ في الخَلقِ، والاشتراكُ في العَيش، والاختلافُ في الرأي، وَبَدَلَ أنْ يَستَمِعُوا إلى تلكم الآيات الرحمانية، استمعوا إلى ما أوحى إليهم الشيطان من زخرف القول غرورًا، قال تعالى «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ» [سورة الأنعام:112].

ومما أوحى إليهم الشيطان أنهم جاءوا إلى الآية الرحمانية الواردة في سورة الرحمن «وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ» فحذفوا الميم من كلمة «الأنام» فيها، وحولوها إلى «الأنا» حتى تصبح الآية شيطانية هكذا (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَا) فأنا مالِكُها، وأنا صاحبُ القرارِ والرأي فيها، ويجب على الجميع الخضوع والطاعة.

وهم بحذف هذه الميم المباركة من كلمة «الأنام» وتحويلها إلى «الأنا» اللامباركة –شعروا أو لم يشعروا- يشاركون في القضاء على كل تلكم الآيات الرحمانية في اختلاف الآراء والألوان والقوميات والشعوب والقبائل.

وهذه «الأنا» اللامباركة هي مَنْشَأُ الاِستِبْدَاد وَمَنْبَتُ الفَسادِ، وهي قد تكونُ شخصيةً فرديةً وعبادةً للذاتِ كما قال الشيطان لأتباعه (إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ) [سورة الأنفال: 48]، وكما قال فرعون حين ادعى ملكيتَهُ للأرضِ مخاطِباً قومَهُ «يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ» فمصر له وحده، والأنهار تجري تحته لوحده.

وكما قال -أيضا- محتكِرًا الرأيَ والفكرَ «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ» [سورة غافر:29] فلا رأيَ إلا رأيُهُ، ولا هدايةَ إلا هدايتُهُ، وعلى الجميع إقفالُ قلوبهم، وإيصادُ عقولهم، وإغماضُ أبصارهم، فلا يُفَكِّرونَ إلَّا كَمَا فكَّر، ولا يَرَوْنَ إلَّا مَا رَأَى.

وقد تكون هذه «الأنا» اللامباركة جَمْعَاً ويتبناها العقلُ الجمعي، دِينًاً كان ذلك الجمعُ أو مذهباً أو قوماً أو عِرْقَاً أو قبيلةً أو وطناً، فيحتكرون لأنفسهم حق الرأي والفكر والملكية والسيادة.

وهذه سنة الجبابرة والطغاة والسفاكين، وبمثلها خاطبَ الأقوامُ رُسُلَهُمْ إذ ادَّعَوا ملكيتَهُم وسِيَادَتَهُم على الأرض «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ» [سورة إبراهيم:13] فكأن الله خلق الأرض لهم خصيصاً دون الناس أجمعين.

ومع الأسفِ الشديدِ فإنَّ بعضَ المسلمين ممن يقرؤون هاته الآية الجليلة «وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ» يقرؤونها بألسنتهم، بيدَ أنَّهم –فطِنوا لذلك أو لم يفطنوا- يخالفونها بأفعالهم واعتقاداتهم، ويتبعون الآية الشيطانية القائلة (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَا) فَيَرَوْنَ أحقيتَهُمْ فى كل شيء، في الأرض، وفي السلطة، وفي الدين والرأي والفكر، فلا رأي غير رأيهم، ولا صواب إلا ما رأوه صواباً، وهم يردِّدُونَ بأفعالهم قولَ فرعونَ للنَّاس «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى» وبكل جرأة يُخْرِجُونَ الجمهورَ الأعظمَ مِن علماء هاته الأمة من دائرة أهل السنة والجماعة، أمثال الحافظ ابن حجر والإمام النووي وإمام الحرمين الجويني وأبي حامد الغزالي والرازي والبيضاوي والماوردي والقشيري والنسفي والبغوي وابن عطية الأندلسي وابن الجوزي والزركشي والسيوطي وابن الجزري وابن حبان والبيهقي وابن عساكر والقاضي عياض وابن الصلاح الشهرزوري والعز بن عبد السلام والقسطلاني والهيثمي والسخاوي وابن دقيق العيد والملا علي القاري والتفتازاني والميرغناني والكاساني وابن عابدين والباقلاني والباجي وابن خلدون وابن الحاجب والقرافي والشاطبي والقاضي زكريا الأنصاري والمنذري والأسنوي والحافظ العراقي والحافظ ابن زرعة وصفي الدين الأرموي والقزويني والرافعي والقفال الشاشي وأبي إسحاق الإسفراييني وابن الأثير وابن خلكان والمحب الطبري و تَقِيّ الدِّين السُّبْكي وتاج الدين السبكي وابن فارس وابن منظور وابن عقيل وابن سيده ونورد الدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي وقطز وقلاوون ومحمد الفاتح وسعيد النورسي والمفتي الزهاوي وأمجد الزهاوي وعبد الكريم المدرس وعبد الكريم زيدان وآلاف العلماء والقادة الآخرين الذين يصعب عدُّهُم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد