إننا قد نرى أنفسنا نعرف ماهية بعض الأشياء، نناقش ونناقض، نفكر ونبحث من أجل التأكد، هذا من أجل المعرفة الحقة المبنية على أساس قوي، وليس معرفة سائدة لا قوام لها، ولا بناء تتكئ عليه، مجرد تداول لها فقط على امتداد زمني معين، وهي معرفة مصطنعة أو زائفة، لكن المعرفة الحقة تُبنى على عدة نتائج، والإنسان الواعي هو مَن لا يدعي المعرفة، أو يدعي امتلاكها امتلاكًا مطلقًا، لأن ذلك يناقض الواقع والوجود بشكل عام، وكلما اكتسبت رصيدًا أكبر من المعرفة ستجد نفسك دائمًا في بداية الطريق، لكن مع رصيد من المعارف المتراكمة الناتجة من الاستمرارية، والبحث الدائم، عكس مَن لديه رصيد قليل من المعرفة، هذا يدعي امتلاكها امتلاكًا مطلقًا، نظرًا لاكتفائه بالبداية فقط، وهذا الفرق، كما أن المسألة طبيعية ومحيرة قليلًا، فالمعرفة من جانب آخر غالبًا ما تبقى ثابتة، لأن التطور الذي نعيشه يزيد من احتمالية ظهور إضافة معرفية، قد تكمل سابقتها وتدعمها، أو تنفيها بشكل قاطع، فماذا نقصد بالمعرفة؟ وما وسائل تأكيدها؟ وهل هي نسبية أم مطلقة؟

المعرفة كتعريف بسيط، هي ما تم التأكيد على صحته، اعتمادًا على دلالة، دلالة بنفسها مبنية على نظرية وتجارب عديدة، وهي تشمل المجال العلمي والأدبي، ومن ناحية أخرى تشمل كل شيء. فلنتأكد من صحة معلوماتنا؛ نختبرها أولًا بالطريقة التي تماشي شكلها، وهكذا نستنتج ماهيتها، وبالتالي قد نصحح المعلومة ونبني عليها طريقنا بشكل مدروس، وقد نبني عليها ما هو خطأ ومدمر ولو بجزء من المائة، ودائمًا سيبقى الخلل، الذي سيؤثر حقيقةً في الشكلين نفسهما. هنالك آراء وأفكار ومعلومات كلها عبارة عن نظريات أو رؤى محدودة إلى حدٍّ ما، يتم اعتمادها من شخص واحد أو أشخاص، لكن لها زاوية واحدة؛ حيث تسمح لهؤلاء الأشخاص برؤيتها، لكن الحقيقة المماثلة للمعرفة، أو المكملة لها، أو نتيجتها بتعبير أدق. لا يمكننا القول عن أي فكرة أو معلومة معرفة إلا إذا كانت ثابتة، وبالتالي فثباتها هو ما يخوِّل لها الحق في أن تكون حقيقة، إنهم كعُقَد متشابهة متتالية، لكن الرابط بينهم خفي كالسلسلة الرقيقة، وذلك الرابط هو التجربة، الذي يسمح بكونهما مترابطين، وبدوره يمر عبر مراحل، أهمها الشك، لا وجود لمعرفة متكاملة دون شك مبدئي، الشك هو بداية المعرفة، تليه الأفكار والمعلومات التي تشكل نظريةً مطروحةً، والتي تحتاج بدورها إلى تجربة، تجربة تؤكد صحتها أو العكس، وهذا من جانب علمي، أما النظريات الأدبية فتبقى فنية، مرتبطة بالخيال أو الواقع، مهما كان شكلها، فهي تعود إلى الكاتب، أو صاحبها، هو من ابتكر لها الشكل الذي يناسب عصره ويواكب ما سبقه، ليشكل بعد ذلك إضافة، وما أهمية أي معرفة إن لم تؤدِّ إضافاتها الخاصة؟

المعرفة متشعبة جدًّا، لها غايات، ولها ثوابت، وعوامل خفية تحفزها، أما بالنسبة للمتلقي، فخير رفيق له العقل، العقل قادر على استيعاب المعرفة مهما كانت، قادر على دحضها أو نفيها، تقبلها، أو تصحيحها، قادر على كل شيء، وأهم شيء، الشك، هو مبدأ المعرفة، وهذا لا يمكننا نسيانه، لكن أيضًا مهمة العقل تتوقف عند إرادة صاحبه، إن كان حرًّا أو مقيدًا في تفكيره، وذلك موضوع آخر سنتطرق له لاحقًا.

وكما أن المعرفة واقفة على ثوابت متشعبة، بغض النظر عن ماهية هذه الثوابت، إلا أن نتائجها أيضًا كذلك، ومعارفنا المكتسبة على امتداد إنساني زمني، كانت دائمًا مطروحة على العقل، لمعرفة قوله هو الآخر، لكن ذلك يخص المعارف التي لنا القدرة عليها، خاصةً بالعلم أو الأدب، وهما مفردان متشعبان، ودليل ذلك ما نحن عليه الآن من اختراعات وتطورات علمية، أشياء كثيرة منبعها العلم، وفي ذلك الطريق كان هناك الكثير من الدحض والنفي، والتصحيح والقبول، لكن في الأخير تظهر النتيجة للتأكيد، وذلك ما شرحناه سلفًا، أما الأدب فهو أيضًا بحر من المعلومات الفنية بعدة حلل، كلا المجالين غنيان، لكن بالنسبة للأمور الفائقة جدًّا، كالموت والكون، لا أحد يعرف علميًّا ماذا يحدث عند الموت أو بعده، وهنا نطرح الأمر من جانب علمي، وكذلك الكون، أو ما يخفيه الكون، حتى الآن نحن لا نعرف سوى جزء ضئيل من الكون، لكن ما يخفيه مهول وشيُّق، ويستحق المعرفة.

وربما معارفنا الحالية خطأ، لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، لكن الأهم أن يسعى لها المرء بعزيمة وإصرار، محاولًا استخدام عقله، فامتلاكنا للعقل ليس صدفة، وراء الأمر سر، سر رهيب. وكما ذكر ستيفن هوكينج في أحد مقابلاته قائلًا: «العدو الأكبر للمعرفة ليس الجهل، بل وهم المعرفة».. ولنتأمل هذه المقولة جيدًا ونفكر، ليس فيما نعرف؛ بل فيما لا نعرف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد