منُذ طفولتنا نسمع تلك الجملة الشهيرة «التكنولوجيا سلاح ذو حدين» ولم أكُن أدُرك معناها وكنتُ لا أرى أن للتكنولوجيا عيوبًا. لكني الآن بدأت إدراكه، وأصبحت أرى سلبياتها الكثيرة وكيف تؤذينا دون أن ندري.

لا يُمكن إنكار إيجابيات التكنولوجيا الكثيرة وأنها التي أوصلتنا لذلك التطور والمعرفة، ولكِن لها الكثير من السلبيات مثِل استخدامها في أشياء خاطئة مثل المواقع الإلكترونية التي هي ضد الدين والأخلاق، لكنها أيضًا تؤثر في أشياء أهم بكثير مثل تجاهل الأب والأم أو السخرية منهم، وذلك الشيء أصبحنا نراه شيئًا طبيعيًّا اليوم.

ونظرًا للتطور السريع في التكنولوجيا صار آباؤنا الذين معُظمهم من جيل الستينيات والسبعينيات لم يستطيعوا مواكبة ذلك التطور ولذلك يستعينون بنِا ولكننا بدلًا من أن نُساعدهم أصبحنا نستهزئ بجَهلِهم بها. ومعرفتنا لتلك التكنولوجيا ليس ذكاءً منا بل ذلك لأن معظم جيلنا يستخدمها وأصبحت اليوم من أساسيات حياتنا مثل الأكل والشرب والنوم، فكل شيء ممكن تعليمه بالممارسة.

فأول شيء نفعله فور استيقاظنا هو النظر في هاتفنا المحمول والفيس بوك وتويتر وبعض التطبيقات الأخرى،وأظن أن أغلبنا لا يعلم في التكنولوجيا أكثر من ذلك.

فجيل آبائنا اليوم يحاول فعل تلك الأشياء مثلنا، ليس حبًا فيها بل ذلك لأن الإنسان  خُلق فضوليًا بفِطرته، من الطبيعي أن يُحاول الآباء تجربة تلك الأشياء التي أصبحت أساسية اليوم. وذلك لا يعني أننا أفضل منهم أو نعلم أكثر منهم، لكن كل جيل وله أدواته لممارسة الحياة اليومية. فمثلًا هم يجهلون استخدام وسائل التواصل الحديثة، ونحن نجهل أدوات تواصلهم القديمة، فمعظمنا لا يعلم ما هو «التلغراف» أو كيفية استخدامه فذلك أيضًا ليس لجهلنا نحن بل ذلك لأننا لم نعِش تلك الفترة ولم نستخدم تلك الأشياء، وذلك يشعرنا أن هناك فجوة زمنية بين الأجيال.

فنحن اليوم نقرأ الأخبار على الإنترنت ونرى والدنا يقرؤها في الجرائد، أو مثلًا الأسهل لنا أن نقرأ رواية على الإنترنت ولكن يرى الأب أن القراءة السليمة هي قَراءة الكُتُب. فكل جيل له نظرته الصحيحة التي تعُاصر جيله وذلك الاختلاف في الفِكر لا يعني جهل أحد منا.

وكما قُلت مسبقًا أن الطبيعي أن يأتيهم الفضُول في معرفة الوسائل الحديثة اليوم، فمِن الطبيعي أيضًا أن نساعدهم دون استهزاء. فهم من اشتروا لنا تلك الأشياء التي نستخدمها فلولاهم لم نكن لنصل إلى تلك المرحلة من العلم.

فبعد كل الشقاء الذي عانوه من أجلنا لماذا لا نُساعدهم أن يستخدموا تلك الوسائل للترفيه عن أنفسهم مثلًا!

وهناك أمثلة كثيرة للاستهزاء بهم مثل أب يقول لابنه أن يُعلمه كيف يضع صورته على الفيس بوك ويردُ الابن باستهزاء «أنت مالك بالحاجات دي يا حاج روح نام كدا شوية بس». أو أم تُريد أن تتحدث مع شقيقتها بالخليج وتُحاول الاستعانة بابنها فإما أن يتجاهلها أو يساعدها بعد حديث مليء بالاستهزاء على نُطق كلمة «سكايبي Skype». فلماذا ننسى كم من شيء لم نُدركه في حياتنا وتعلمناه منهم! فلا تنسَ أنك كما تدين تُدان وبذلك التطور السريع ستصل في يوم يُهينك فيه أبناؤك ويستهزئون بجهلك بوسائل تواصلهم.

فأهلنا الذين نسخر منهم اليوم هم من علمونا في صغرنا كل شيء دون ملل, وهم من أوصانا بهم الله في آياته حيث يقول سبحانه وتعالى:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) الإسراء:23.

فلقد أوصى الله بالوالدين بعد عِبادته مباشرة وذلك أكبر دليل على أهمية بِرهم واحترامهم, فلو كان الله سبب وجودنا في الحياة وسبب كل تلك النِعم, فهم من خلقهم الله ليُنجبونا ويعطونا كل الحب والحنان دون انتظار أي مقابل. فلماذا يكون ذلك هو مقابل ما فعلوه!

فهل ذلك ما أوصلتنا له التكنولوجيا؟ أن لا نبِرُ والدينا ونُنكِرأفضالهم علينا!

والله العالم ما الذي سنصل إليه من بعد ذلك, فنحن وصلنا للعُزلة والكسل أيضًا, نرى الابن في غُرفة وأُمه في الغُرفة المجاورة وبدلًا من أن تُناديه أصبحت تراسله على «الواتس آب»، وبدلًا من أن تجتمع الأسرة لمشاهدة فيلم أو برنامج تلفزيوني أو ديني أصبح كل فرد من العائلة يجلس بغرفته يُشاهد ما يريد على «اليوتيوب». نحن نرى ذلك الطبيعي ولم نُفكر بِآبائنا الذين تربوا على عكس ذلك وبأنهم فقدوا الترابط الأُسري الذي تربوا عليه, إن لم تشعر بافتقادك لوالديك فكُن على عِلم أنهم مُفتقدوك.

ولكننا للأسف لا نشاركهم حياتهم اليومية التي يعتمدون فيها على وسائل تواصلهم القديمة فتصبح هناك فجوة بيننا وبينهم تؤدي إلى التفكك الأُسري, ولا نعطيهم فرصة ليتعلموا وسائل تواصلنا الحديثة ليستطيعوا مواكبة عصرنا والتفاهم معنا, بل ننهرهُما ونتكبر عليهم في التعليم الذي لم يستخسروه فينا يومًا وذلك ما نهى الله عنه في كتابه الشريف «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا».

فهناك أمر صريح من الله سبحانه وتعالى أن لا ننهرهُما وأن لا نقول لهما كلامًا فيه شدة، وأن لا نتكبر عليهم بل يجب علينا أن تنخفض رؤوسنا تحت أقدامهم رحمة بهم كما شبه الله تعالى الطير الذي يخفض جناحيه حتى يكون مكسورًا.

فلماذا لا نرد لهما أبسط الجميل وهو قليل باتساع صدرنا وتحملهم كما ربونا صغارًا.

فهل سوفَ يغنينا الإنترنت والتكنولوجيا عن والدينا وبدلًا من أن نعيش معهم سنعيش بداخل تلك التطبيقات والوسائل؟

فبذلك التقدم الذي نراه كل يوم من حولنا ليس المُستحيل أن تُغنيهم أيضًا عنا, ويُصنع لهم في المستقبل إنسان آلي يُبِرهم ويُطيعهم ولا يستهزأ بهم, بل سيعلمهم تلك التكنولوجيا وكيفية استخدامهم لها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد