الرواية فن من الفنون الأدبية الحديثة نسبيًا على عالمنا العربي؛ حيث يعتبر النقاد رواية «زينب» للأديب المصري محمد حسين هيكل التي صدرت عام 1914أول عمل أدبي روائي تتوافر فيه الشروط الفنية للرواية، وإن كانت سبقتها محاولات كثيرة للكتابة الروائية لم يُكتب لها التوفيق، مع العلم بأن الرواية لها خلفية في أدبنا العربي، فالمقامات التي انتشرت في العصر الأندلسي، وكان بدايتها على يد «بديع الزمان الهمذاني» المتوفى عام 548 هـ، ينظر لها بعض مؤرخي الأدب على أنها كانت بدايات لمحاولة القص والسرد.

ورغم حداثة لغتنا بالرواية، إلا أن أدباء العربية أبدعوا في هذا الفن، وأصبحت تترجم روايات بعضهم للغات العالم، وحصل الأديب المصري نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب عن إنجازاته الأدبية العظيمة، حيث يُنظر لنجيب محفوظ وكأنه جبرتي العصر الحديث، حيث إنه في روايته وثّق حال الحارة المصرية في الفترة التي عاشها، كمؤرخ اجتماعي في طراز أدبي، فمحفوظ هو متصوف الرواية العربية.

ورغم الحداثة – أيضًا- إلا أنها استحوذت على عقل القارئ العربي، فالرواية حكاية والحكاية دائمًا ما تجذب الإنسان، فالقرآن كتاب الله – عز وجل – وهو الأعلم بالبشر تنتشر به القصص والحكايات في كثير من سوره، فأصبح كثير من الشباب والكبار يقبلون على الروايات إقبالاً عظيمًا، حتى غطت على الكتب الفكرية والفلسفية وباقي العلوم الأخرى، وهذا طبيعي وليس مستغربًا، فحتى المثقفين والمهتمين بالعلوم المتخصصة تجد منهم من يهتم بالرواية ويلتهم منتوجها التهامًا.

لكن أحيانًا ما ينظر بعض المثقفين والمهتمين بالعلوم المتخصصة إلى الروايات نظرة استخفاف، على اعتبار أنها حكايات ولا تبني ثقافة أو علم، كما أن منهم من يعتقدون أنها تضييع للوقت والجهد في شيء لا يضيف، ودائمًا ما يُسأل قارئ الروايات عن أهميتها، وما العائد الذي يعود على الإنسان من الحكايات.

أهمية فن الرواية كثيرة وتختلف من شخص لآخر؛ فهناك من يراها تأريخًا أدبيًا لمراحل مهمة في حياة الشعوب، وهناك من يراها تكتب تاريخ البسطاء الذي لا يُكتب في كتب التاريخ، فكتب التاريخ لا تهتم إلا بالقادة، وهناك من يراها تزكي المشاعر والأحاسيس والتي قد تقتلها آلة الحياة الحادة، حيث الجري وراء المادة والمال، وهناك من يراها تعبيرًا عن قوة وحيوية ودينامية اللغة العربية وتعبيرًا عن جمالها، وهناك من يراها تنقله لأماكن لن يستطيع الوصول لها، وشعوب لن يتعرف عليها يومًا ما، الفوائد تختلف من شخص لآخر، وطبقـًا لنوع الرواية التي يهتم بها.

أفضل من تكلم عن أهمية الرواية في كلمات موجزات هو الأديب العالمي نجيب محفوظ ، فلقد وصف محفوظ الرواية بأنها «الفن الذي يوفق ما بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنينه الدائم للخيال، وما بين غنى الحقيقة وجموح الخيال»، ويقول الفيلسوف الإيطالي أومبرتو إيكو «مهمة الرواية هو التعليم عن طريق التسلية»، ويقول عبد الرحمن المنيف في كتابه «الكاتب والمنفى» متحدثـًا عن الرواية «فإن الرواية أداة معرفة، ولكنها المعرفة الجميلة – إذا صح التعبير- إنها تخاطب العقل والوجدان معًا، تتوجه إلى الإنسان وبتواضع لكي تعلمه وتحرضه، إنها تفعل ذلك بالمناخ الذي تخلقه، بالحياة التي تعرضها، بالنماذج التي تقدمها، لكي تقول باللمح والإشارة ما لا تستطيعه الأدوات الأخرى»، فالرواية عندما توفق ما بين الخيال والحقيقة بين الشغف والواقع تكون هي قمة الإفادة للإنسان.

الرواية قد تكون طريقك للعلوم الأخرى، إذا تم النظر لها بطريقة مختلفة؛ فعندما تقرأ رواية تاريخية من المفترض أن تدفعك لقراءة هذه الفترة التاريخية من كتب التاريخ المتخصصة، الرواية الرومانسية قد تكون بدايتك للولوج لعلوم الإنسانيات، طريق للبحث في النفس البشرية ومحاولة كشف غموضها، وهو ما تبحث فيه علوم الاجتماع والفلسفة والنفس؛ فالرواية قد تكون تمهيدًا للعلوم الأخرى وبوابتك التي تلِج منها.

والرواية قد تكون تسليتك المناسبة في وقت الملل القرائي، فالقارئ أحيانًا تجتاحه حالات من الملل والفتور من القراءة، بسبب الظروف الحياتية، فقد تكون الرواية طريقك للحفاظ على إدمانك للقراءة بعيدًا عن المصطلحات والقضايا الفكرية؛ فأنت في الوقت نفسه لم تبتعد عن القراءة، وكذلك قمت بإعادة إنعاش – كما يحدث مع الحاسوب- لعقلك  البشري.

الرواية قد تكون بدايتك لإدمان القراءة، أعظم شيء قد تدمنه في الحياة، وقد تكون طريقك للإحماء قبل دخول معترك القضايا الفكرية والفلسفية بعد طول غياب، فمن ليس من أهل القراءة قد يلج بابها من الرواية، وتفتح الرواية عينه على هذا القصر العظيم وارف المنافع والفوائد، أما من هو من أهل الإدمان ولكنه ابتعد لفترة ما ويحتاج للعودة للقضايا الفكرية والفلسفية فإنه يحتاج لإحماء كما يحتاج لاعب كرة القدم قبل المباراة، فقد تكون الرواية هي أداة الإحماء المناسبة.

فوائد الرواية لا تنتهي، ولكن كما خلق الله الدنيا فما من فائدة إلا وهناك ضرر ما، فقراءة الروايات بكثرة قد تجعل الانسان يدمنها هي وفقط، ولا ينظر لما عداها من فنون القراءة الأخرى، فقد يتحول الإنسان إلى مجرد قارئ روايات، قصص لا تأخذه لتوسيع الآفاق بل للركون للسرد والقص، ورغم هذا الضرر إلا أنه أفضل من اللاشيء، أفضل من الذي لا يقرأ كتابًا، وينظر للكتاب وكأنه رجس من عمل الشيطان.

ويبقى أخيرًا أن نوجه للراوي رسالة، نطالبه فيها أن يعيش معنا عالمنا، أن يتكلم عن مشاكلنا ودنيانا، أن يكون واحدًا منّا، لا يغرقنا في تفاصيل لا تلمس جوهر نفوسنا ومكنون ذواتنا، نترك له التعبير كيفما يشاء؛ فلا حدود لإبداع ولا قيود لخيال، ولكن نطلب منه أن يكون كما قال الدكتور زكي مبارك «إن الحياة هي كتاب الأديب، فالأدب يجب أن يكون من وحي الحياة، وإنه من الضروري أن نعيش الحياة حتى نكتب آيات الوجود، لا أن نترك الحقيقة ونبحث عنها في الخيال ونهرب من العالم ونلجأ للقلم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد