يعاني مجتمعنا الفلسطيني من الكثير من المشكلات والأخطار التي تهدده وتهدد أفراده، وأشد هذه الأخطار السرطان الجاثم على أراضينا، والذي يتربص بنا الدوائر ولا يدخر جهدًا في تدمير كل ما هو فلسطيني، ويحاول بكل الوسائل تفكيك أواصر المجتمع الفلسطيني، ومن أخطر الوسائل التي يستعملها الاحتلال الإشاعة التي يهدف من خلالها إلى بث سمومه في المجتمع، وخاصة في ظل التطور التكنولوجي الهائل في وسائل الاتصال والتواصل.

والإشاعة هي إحدى أهم أمراض العصر الحالي التي انتشرت بشكل كثيف في ظل التطور الهائل لوسائل الاتصال والتواصل، وأصبح من الصعب إيقافها أو مكافحتها، فأي شخص في هذا العالم يستطيع وبكل سهولة نشر أي إشاعة لتبلغ الآفاق في لحظات معدودة، وتصبح متداولة في كل مكان في العالم بدون أن يخضع لأي محاسبة أو مراقبة من قبل السلطات.

فمواقع التواصل الاجتماعي لا تخضع لأي جهة رقابية، بل الرقيب فيها يكون ضمير الإنسان وذاته، وبالرغم مما حققته مواقع التواصل الاجتماعي من سهولة في التواصل بين الأشخاص في مختلف أنحاء العالم، وسهولة الوصول إلى المعلومات والأخبار، وظهور ما يسمى «إعلام المواطن» الذي لا يخضع لرقابة السلطات الرسمية والذي كان له دور بارز في ثورات الربيع العربي، إلا أنها في الوقت ذاته ساهمت وبشكل هائل في نشر معلومات خاطئة، وشائعات تضر مصالح الأفراد والجماعات.

ولا تحتاج الإشاعة في عصرنا الحالي إلى جهد كبير في نشرها، فيكفي أن تكون الإشاعة متقنة إلى حد ما، مع نشرها في ظروف مناسبة كالحروب والاضطرابات والأزمات، لتصبح على كل لسان ولتبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وليختلط الصحيح بالخاطئ وما إلى ذلك من النتائج السلبية لنشر الشائعات.

في الوقت نفسه يصعب مواجهة الشائعات، وتحتاج إلى جهود مضنية وإمكانيات هائلة من أجل دحضها، وإثبات عدم صحتها ومحاولة وقف انتشارها بين الناس، في حين أن ناشر الإشاعة لا يحتاج إلا ثوانيَ معدودة من أجل ترويج إشاعته لتبلغ كل مكان.

والإشاعة كان لها دور بارز في الحروب والأزمات على مر التاريخ، وهي إحدى أدوات الحرب النفسية التي تستخدمها الدول لضرب خصومها الخارجيين والداخليين، وتستخدمها الحكومات الاستبدادية في إلهاء المجتمع عن مشاكله الحقيقية بمشاكل ثانوية وبنشر الشائعات عن المعارضين للسلطة، ولتشويه سمعتهم عند الناس كما حدث في مصر أيام الرئيس المعزول محمد مرسي قبل الانقلاب عليه من قبل عبد الفتاح السيسي.

ولقد حذرنا الإسلام من خطورة الإشاعة على المجتمع المسلم، ونتائجها المدمرة على مستوى الأفراد والجماعات، وأمرنا بأن نتبين صدق الخبر الذي يصل إلى مسامعنا، وألا ننشره قبل التأكد من صحته، كما ذكر ربنا في كتابه الكريم ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾ فالأخذ بالإشاعات يورث الندم لدى الآخذين بها دون التثبت من صحتها سواء كانوا أفرادًا أو جماعات، فالمجتمع المسلم لا يستقر بترويج الإشاعات بل يضطرب ويصبح سهل الاختراق من قبل الأعداء.

وقد حذرنا رسولنا الكريم محمد (ص) من ترويج الشائعات وخطرها على المجتمع المسلم، كما ذكر أبو هريرة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع» فنقل كل ما تسمع يؤدي لترويج الشائعات والأخبار والمعلومات الكاذبة التي تؤدي لنتائج سلبية على المجتمع.

وفي ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها مجتمعنا الفلسطيني، أصبحت الإشاعة شيئًا سهلًا ويسيرًا، ويستخدمها الاحتلال في تحقيق مآربه وخاصة في أحداث معينة، يريد بها تضليل الشارع الفلسطيني، وبث الخوف والقلق والاضطراب بين أفراده، كما حدث في قضية اغتيال الأسير المحرر مازن الفقها، وما تلاها من إشاعات تداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، عن كيفية اغتيال الفقها، ومن الذي قام بهذا الاغتيال وغير ذلك الكثير من الشائعات، التي دفعت النائب العام في قطاع غزة لحظر النشر في قضية اغتيال الفقها، ومعاقبة أي مخالف لهذا القرار، حتى تتمكن الأجهزة الأمنية من مباشرة عملها في هدوء ودون ضجة إعلامية تؤثر على سير التحقيق، ولبث الطمأنينة في الشارع الفلسطيني الذي اعترته حالة من القلق والخوف من جراء اغتيال الفقها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد