يقول الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، وصل من نصائح الرشاد، لمصالح العباد، اعلم «أن سبب هلاك الملوك إطراح ذوي الفضائل، واصطناع ذوي الرذائل، والاستخفاف بعظة الناصح، والاغترار بتزكية المادح.

ومن نظر في العواقب سلم من النوائب، وزوال الدول باصطناع السفل، ومن استغنى بعقله ضل، ومن اكتفى برأيه زل، ومن استشار ذوي الألباب سلك سبيل الصواب، ومن استعان بذوي العقول، فاز بدرْك المأمول، ومن عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه، وعدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان، والملك يبقى على الكفر والعدل، ولا يبقى على الجور والإيمان». وقال أيضًا: «حقٌ على من ملَّكه الله على عباده، وحكَّمه في بلاده، أن يكون لنفسه مالكًا، وللهوى تاركًا، وللغيظ كاظمًا، وللظلم هاضمًا، وللعدل في حالتي الرضا والغضب مُظهرًا، وللحق في السر والعلانية مؤْثرًا، وإذا كان كذلك ألزم النفوس طاعته، والقلوب محبته، وأشرف بنور عدله زمانه، وكثر على عدوه أنصاره وأعوانه».

  • وقال الجبرتي أيضًا، سأل معاويةُ الأحنفَ بن قيس، وقال له، كيف الزمان؟، فقال: «أنت الزمان، إن صلحت صلح الزمان، وإن فسدت فسد الزمان»، وآفة الملك سوء السيرة، وآفة الرؤساء ضعف السياسة، وآفة العلماء حب الرياسة، وآفة القضاء شدة الطمع، وآفة المنعم قبح المَنّ، وآفة المذنب حُسْن الظن. والخلافة لا يصلحها إلا التقوى، والرعية لا يصلحها إلا العدل، فمن جارت قضيته، ضاعت رعيته، ومن ضعُفَت سياسته بطلَتْ رياسته، ويقال، شيئان إذا صلح أحدها صلح الآخر، السلطان والرعية».

وتلك الأيام نداولها بين الناس

سلسلة تاريخية جديدة أتناول فيها بعض ما شهده العالم من أحداث. وإنني ما زلت مستمرًا في سلسلة إعدام الشرق والطريق الثالث، والتي أتناول فيها بعض الأحداث التاريخية التي شهدتها المنطقة العربية في فترة انطلاق الثورة العربية الكبرى، وما ترتب على ذلك من نتائج.

وإنني أعد هذه السلسلة الجديدة مكملة لما بدأته، فلن تعترض إحداهما الأخرى. وإنني سوف أرجع إلى الوراء قرونًا عديدة، لأبدأ بمرحلة مهمة جدًا من مراحل الزوال والنشوء، اللذين ينتجان عن التدافع بين قوى الحق وقوى الباطل حيث خفوت نجم دولة، وبزوغ نجم أخرى، وزوال دولة، وظهور أخرى.

ولسوف أجعل البداية من حيث انتهاء الدولة العباسية على يد المغول التتار، وكيف استطاع هؤلاء أن يسقطوا دولة الإسلام في ذلك الوقت، وما الأسباب التي أدت إلى نشوئهم وصعودهم، حتى انكسارهم على يد سيف الدين قطز في موقعة عين جالوت، وفي المقابل ما السر في تراجع دولة بني العباس وزوالها، بعدما شهد الزمان لها بالفتوة والهيمنة لفترات طويلة. فهي الدولة التي كان يخاطب أميرُها السحابة في كبد السماء ويقول، أيتها السحابة أينما سقطت فسيُحمل إليَّ خراجك، وذلك إما زكاةً أو جزية أو غنيمة. وهي الدولة التي حرك أحد أمرائها الجيوش تلبية لصيحة امرأة مسلمة. ورغم ذلك، فهي الدولة التي زالت على يد جيوش من الهمج والرعاع.

ثم، لأنتقل بعد ذلك إلى تناول الدولة العثمانية منذ تأسيسها، ثم انطلاقها نحو الحكم والريادة والتحكم في دفة إدارة العالم، حتى دبَّ الضعف بجسدها، مما أدى إلى زوالها.

ثم، لن يفوتني أن أعرج على المرحلة الأخيرة من مراحل دولة الأندلس وسقوط آخر معاقلها، في يناير (كانون الثاني) عام 1492، وما هي إلا أشهر قليلة جدًّا بعد سقوط الأندلس، وتحديدًا في أغسطس (آب) 1492، وبتمويل من ملك إسبانيا قام كريستوف كولومبس برحلته نحو تلك الأراضي الجديدة لاكتشافها، تلك الأراضي التي عُرِفت فيما بعد «بالولايات المتحدة الأمريكية»، وذلك للتعرف على مراحل نموها، منذ الاكتشاف حتى الهيمنة والوصول إلى مرحلة القطب الأوحد. وأنوه إلى الخلاف الخاص بمكتشفي الأراضي الأمريكية، وأن العرب قد وصلوا إلى تلك الأرض في مرحلة مبكرة قبل الأوروبيين، لكنني سوف أتناول في سياق بداية الاستعمار ومراحل التطور.

وأخيرًا، فإن المحور المهم في هذه السلسلة سأخصصه لقلب العروبة «مصر».

المسلمون والصليبيون والتتار

  • بداية، وبإلقاء نظرة على العالم في أوائل القرن السابع الهجري «القرن الثالث عشر الميلادي» سنجد أن قوتين عظيمتين كانتا تقتسم العالم، القوة الأولى كانت تتمثل في المسلمين، وكانت بغداد قد اتُخِذت مقرًّا للخلافة العباسية.

كانت مساحة الدولة الإسلامية في ذلك الوقت قد اقتربت من نصف مساحة الأرض، حيث كانت حدود بلاد المسلمين تبدأ من غرب الصين، وتمتد عبر آسيا وأفريقيا لتصل إلى غرب أوروبا، حيث بلاد الأندلس. هذا كله إلى جانب امتلاك السلاح، والمال، والعلوم، والموارد. ورغم ذلك، فلقد كانت الدولة الإسلامية تعيش حالة من الضعف والتدهور، بسبب سياسات وممارسات الولاة والحكام، فكل ما كانوا يحرصون عليه هو البقاء على كرسي الحكم، البقاء وفقط، ثم السعي إلى توريث المُلْك للأبناء، وتمكين أفراد عائلاتهم من رقاب الناس، وكذلك كانوا يحرصون على حياة اللهو والترف. فانطفأت شعلة الجهاد في قلوب كثير من المسلمين بسبب ضعف العقيدة، ومن ثم فقد صار وجود الخلافة وجودًا رمزيًّا.

ونتيجة لذلك فقد تشتَّتَ شمل الدولة الواحدة، فأقاليم مصر، والشام، والحجاز، واليمن، كانت في أيدي الأيوبيين أحفاد صلاح الدين، فلما كان بينهم نزاع، تحولت تلك القوة إلى دويلات متناحرة، فاستقلت الشام عن مصر، واستقلت الحجاز واليمن، عن الشام ومصر.

وكانت هناك بلاد المغرب والأندلس التي أصابها الضعف حتى صارت إلى طريق الزوال. والدولة الخوارزمية التي كانت على خلاف أدى إلى نشوب حروب مع مسلمي الهند.

وأما بلاد فارس «إيران» فكان جزء منها تابعًا لدولة الخوارزميين، وكانت الأجزاء الغربية منها «الملاصقة للخلافة العباسية» تحت سيطرة طائفة الإسماعيلية، وهي من طوائف الشيعة. وأخيرًا بلاد الأناضول «تركيا» وكانت تحت حكم السلاجقة الروم.

القوة الثانية كانت تتمثل في الصليبيين، وكان غرب أوروبا مركزًا لهم. ولقد كانوا يعيشون أيضًا في مرحلة من الضعف الشديد.

وبينما كان العالم كذلك، وإذْ بقوة ثالثة تظهر على مسرح الأحداث العالمية، إنها قوة ظهرت وانتشرت في فترة زمنية قياسية، إنها قوة المغول التتار، وهناك خلاف يخص التسمية والتفريق ما بين التتار والمغول، فمن المؤرخين من يرى أن التتار فرع من المغول، وهناك من يرى أن التتار هم الأصل، وما المغول إلا فرع منهم.

نشأ التتار بداية في «منغوليا» بشمال الصين، ويُعد جنكيز خان زعيمهم الأول، والذي جمَّع الناس حوله ليتوسع تدريجيًّا في المناطق المحيطة به، وسرعان ما اتسعت دولته حتى بلغت حدودها من كوريا شرقًا، إلى حدود الدولة الخوارزمية الإسلامية غربًا، ومن سهول سيبيريا شمالًا إلى بحر الصين جنوبًا.

في هذه الأثناء كان الصليبيون يمرون بفترة من الضعف، ولأن غايتهم تتمثل في القضاء على المسلمين واستئصال شأفتهم، فقد قرروا التواصل مع التتار لحثهم على غزو بلاد المسلمين، بإغرائهم بما يمتلكه المسلمون من مقدرات وخيرات.

وبالفعل، أرسل الصليبيون وفدًا من أوروبا إلى منغوليا ليحفزوا التتار على الزحف وغزو بلاد المسلمين، وإسقاط الخلافة العباسية.

اقتنع التتار واتخذوا قرار الحرب وبدأوا يخططون لدخول بغداد عاصمة الخلافة العباسية.

قرر جنكيز خان، إعمالًا بمبدأ الحيطة والحذر، ألا يتوجه بجيشه إلى بغداد مباشرة، خشية أن يضربه المسلمون من الخلف، فكان أفضل سبيل بالنسبة له، أن يزيل من طريقه كل ما هو إسلامي، ومن ثم، كان عليه أن يتمركز أولًا في منطقة أفغانستان وأوزبكستان، وذلك لبعد المسافة ما بين الصين والعراق، وهذا ما يستلزم وجود قواعد إمداد ثابتة لجيوش التتار.

أراد جنكيز خان، أن يبدأ الحرب على المملكة الخوارزمية، ولكنه كان قد أبرم معها المعاهدات، وكان عليه أن يبحث عن ذريعة مناسبة يتخذها سببًا لإعلان الحرب، وقد كان.

إذ ذهبت مجموعة من تجار المغول، إلى مدينة أوترار، الإسلامية التابعة للمملكة الخوارزمية، فلما علم بهم حاكم المدينة المسلم، ألقى القبض عليهم وقتلهم. تقول بعض الروايات إن هؤلاء التجار ما كانوا إلا جواسيس، في حين تقول أخرى، إنهم كانوا تجارًا، وأما قتلهم، فقد كان ردًّا على جرائم التتار.

أرسل جنكيز خان رسالة وعيد مع رسله إلى خوارزم شاه، يقول فيها: تقتلون تجاري وتأخذون أموالهم؟ فإني قادم إليكم بجنود لا قبل لكم بها. فما كان من محمد بن خوارزم شاه إلا أن قتل حامل رسالة جنكيز خان، وأرسل رده مع بقية الوفد المغولي التتري، بأن يخبروا جنكيز أن ابن خوارزم شاه هو من سيغزو التتار. وبالفعل أغار شاه على التتار الذين كانوا مشغولين بقتال أحد أمرائهم، فقتل من وجد من الأطفال، وسبى من وجد من النساء. فلما عاد التتار وعلموا بالأمر، واصلوا السير خلف خوارزم شاه وجيشه، فوقعت معركة بين الطرفين، دون أن ينتصر فيها أحد.

عاد محمد بن خوارزم شاه إلى بخارى، وبدأ يستعد للقتال «وكان على خلاف وعداء مع الخلافة العباسية»، فحصن بخارى وسمرقند، وأخذ يجمع الجنود المحاربين من خوارزم وخرسان، وبينما كان خوارزم شاه غائبًا مشغولًا بالإعداد، هجم التتار واستولوا على بخارى، ثم سمرقند؛ ففر محمد بن خوارزم شاه منطلقًا إلى مازندران، ومنها إلى همدان، فأرسل جنكيز خان خلفه 20 ألف فارس، ففر محمد بن خوارزم شاه إلى جزيرة في وسط بحر قزوين، وعاش بها حياة صعبة، وظل على هذه الجزيرة، وعلى هذه الحالة حتى مات. وكان ذلك عام 1220.

وتلك الأيام نداولها بين الناس، أُكْمِلُ ما تبقى في كتابات قادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

الدولة العباسية، محمود شاكر
قصة التتار من البداية إلى عين جالوت، راغب السرجاني
دولة المغول والتتار بين الانتشار والانكسار، علي الصلابي
تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، محمد النيرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد