الاستبداد والتبعية، العلمانية والتغريب، الفقر والجهل، التخلف في ذيل الأمم. هذه المتلازمة للمسلمين والعرب مستمرة. قامت ثورات الربيع العربي للخروج من الاستبداد والظلم الاجتماعي وامتلاك القرار.

فكانت خطة عدو الأمة للمواجهة واحدة وهي إرجاع البلاد لأبعد مما كانوا عليه حتى يصبح الرجوع لوضع الاستبداد السابق حلما، أو لا توجد دولة فيكون مسلسل التقسيم.

جاء وضع الاستبداد الأشد والأشرس في مصر مع المذابح والتضليل والاستخفاف وسرقة الثروات وتبديدها والتبعية في صورة تحرّج عنها نظام مبارك، والسيناريو الآخر المعدّ لو استمرت الثورة وشعر الانقلاب بالخطورة أن يصنع فوضى مقصودة وأن يحرق البلاد بتقسيم متعمد، وهذا بإشراف الغرب نفسه كسيناريو محتمل.

تعترض على بيع الغاز لإسرائيل فيعطيها حقول الغاز ثم يستورده منها! فماذا تقول وعلى ماذا ستعترض؟ أنت لن تبيع بل أنت محتاج! هكذا وضع الأمر.

تخطط أن تكون بلادك في التنمية كالنموذج التركي أو الماليزي أو البرازيلي أو الكوري، فيضعون بلادك بين النموذج العراقي أو السوري بل الصومالي؛ أي حال اللادولة.

في مشهد مقارب للثورة اليمنية آلت النتيجة إلى أن سيطر الحوثيون على اليمن حتى تصبح العودة إلى ما قبل الثورة، يمن موحد هو الهدف، وليس الانطلاق والانعتاق.

في سورية تمزيق وحرق لكل شيء وسحق للإنسان والحياة والمقدرات، فهذا هو سيناريو الواقع إلى أن يفكر السادة في الغرب في كيفية اقتسام الكعكة، وسيناريو التقسيم مطروح بقوة، ويهش مسؤول المخابرات الإسرائيلي ويعلن مسرورا أنه لا توجد سورية لستين أو سبعين عامًا.

في ليبيا يطرح سيناريو التقسيم بعد فشل سيطرة النظام القديم على البلاد، والسيناريو مطروح بقوة، إلى دولتين بل ثلاث.

هذا ما يراد ـ وقد لا ينجح ـ أن تبقى الشعوب تحت التبعية والاحتلال الغربي، بأدواتهم من الاستبداد والقمع والتخلف والفقر، فإن رفضوا كان القمع الشرس نيابة عن الوحشية الغربية المتسترة، وبإشرافهم، حتى تختار الشعوب العودة إلى نفس ما ثارت عليه بطلاء جديد، فإن أبوا فليكن التمزيق والتفتيت للبلاد، بمعنى ألا يجدوا بلادًا يتقدمون بها أو تتبنى أحلامهم، ويصبح الصراع بعد ذلك لإيجاد البلاد نفسها، تلك التي ضاعت منهم بفعل فاعل.

باختصار؛ إن فكرت في خطوة للأمام أعادوك إلى مجاهل ما قبل نقطة التخلف، إلى المزيد، لتندم على ما تمردت عليه من أوضاع مأساوية ولتندم على حلم أن تعيش حياة كريمة نظيفة وأن تُحترَم هويتك. هذا اختيار أهل الشر.

لكن ترافقت مستجدات توضح أن الأمور ليست بأيديهم، وأنهم لا يملكون رفاهية اتخاذ هذا القرار باطمئنان أو بلا تبعات. فقد ذاقت الشعوب طعم الحرية وعرفوا الطريق وشعروا بقوتهم وأن بأيديهم تغيير الواقع والمعادلة، كما ظهر العدو الحقيقي ومن يدير الأمور ومن يستعملهم من الأذناب، كما ظهر الفساد كالِحًا، وعداء الإسلام واضحًا.

فلو اعتبرها العدو أمرًا نجح في التغلب عليه فهذه مجازفة لأن الحقيقة أنها موجة، وأن الشعوب رجعت منها بدروس لتكون الموجة التالية أكثر وعيا، مع شعورهم بخطورة استمرار الأوضاع ومدى استعداد العملاء لبيع البلاد والمقدرات والدين والعرض مع الكذب والدجل، فأصبح الشعور المسيطر هو خطورة استمرار الأوضاع ومدى الشر الذي تجرد له رموز الباطل.

لكن في الجانب الآخر فإن عمق التخلف والتبعية ومدى بعد الأمة هو أمر قد استمر لقرنين من الزمان، ولا بد اليوم من ضريبة لتفريط الأجيال السابقة، فلا بد من معرفة الواقع ومدى مأساته وخطورته ومدى النقلة المرادة للبلاد والقوى التي تواجهها. فلا بد من موجة إثر موجة وتصميم وثبات ومرونة لوصول الثورة إلى هدفها ومنتهاها.

إن النتيجة اليوم واضحة والواقع لم يعد يؤدي إلى فرق. إنها أمة تنهار بطرق متعددة وليس لنا أن نرجح طريقة انهيار عن أخرى، بل يجب أن نوقف هذا النزيف جذريا، وأما تأخير المجرمين للأوضاع لأسوأ مما هي عليه فليكن هذا تعرية له وبيانًا لحقيقته بيده، فيكون خادما للثورة لا معوقا لها، من حيث لا يدري المجرمون. فاحذرْهم أن يؤخروك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد