لمحة

عندما أقلب في صفحات التاريخ؛ كثيرًا ما أقرأ عن الأندلس التي لم يعد لها وجود، إلا في مسلسلاتنا التاريخية، وأسماء شوارعنا ومدارسنا كقرطبة واشبيلية وغرناطة.

لم يكن يدور في خلد المسلمين والعرب حينها، أنه بعد حوالي ثمانية قرون من فتحهم لشبه الجزيرة الإيبيرية «إسبانيا حاليًا»؛ أنهم سيتركونها يومًا مًا، ويعودون من حيث جاءوا إلى شمال أفريقيا، بعد أن شيدوا حضارة في أوروبا الغربية، نهضت في جميع المجالات العلمية، والعمرانية، والزراعية، والتجارية… إلخ وشملت حتى اهل الكتاب حيث سمح لهم بممارسة شعائرهم وتقلدو المناصب.

حيث كانت قرطبة تضاء كلها بالمصابيح ليلًا، فيما كانت أوروبا تغرق في ظلام العصور الوسطى -كما يقال-. 

فمن خلال منطقة جبال «كانتابريان» في أقصى شمال إسبانيا، التي لم يكترث لها المسلمون حينها؛ حيث تحصن القوط الغربيون «سكان شبه الجزيرة قبل الإسلام»، وهم من سلالات الإفرنج هناك في آخر معاقلهم، استطاعوا العودة تدريجيًا، وبناء إماراتهم، وممالكهم في الشمال، والتمدد تدريجيًا باتجاه الجنوب عند ضعف الدولة الأموية، وبدئها في التفكك والانهيار.

العصر الذهبي

منذ عهد الولاية الأموية في الأندلس التابعة للدولة الأموية، ومركزها دمشق، إلى عهد الإمارة الأموية في الأندلس المستقلة، عن الدولة العباسية في بغداد، وعاصمتها قرطبة، إلى عهد تحول تلك الإمارة إلى الخلافة الأموية في الأندلس؛ بسبب التنافس الخارجي بعد ضعف الدولة العباسية، وظهور الفاطميين في شمال أفريقيا، وادعاء أحقيتهم بالخلافة؛ فاضطر الأمويون لاتخاذ ذلك الخيار بإعلانهم الخلافة الأموية مجددًا، لكن هذه المرة من قرطبة، ضد الدعوة الإسماعيلية التي جاورتهم، ووصلت أطراف بغداد في طريقها شرقًا.

في هذه الفترة كانت البلاد في تطور وازدهار مستمر وكانت قرطبة مقصد طلاب العلم من كل انحاء العالم حتى أن ملوك اوروبا كانوا يوفدون ابناءهم اليها لتعلم العلوم والفنون والاداب ، بالاضافة الى التوسع، حتى إنها وصلت إلى جنوب فرنسا، لولا هزيمة المسلمين في معركة بلاط الشهداء؛ التي كانت ستفتح لهم الباب للدخول إلى قلب أوروبا، واجتياحها وإدخالها كاملة في دين الإسلام.

التقهقر

كل ذلك حدث في القرون الثلاثة الأولى، ثم بدء الانهيار بعد ضعف الدولة الأموية، وسقوط خلافتها؛ من خلال الصراع بين ملوك الطوائف على الحكم، واستغلال الممالك المسيحية في الشمال لهذا الصراع؛ فتوحدت فيما بينها من أجل تحقيق حلم استعادة شبه الجزيرة.

فيما أصبح العرب لمسلمون في الأندلس متفرقي الكلمة، يعيشون صراعاتهم بين إماراتهم المتناحرة؛ وأشهرها النزاع بين إمارة «بنو جهور» في قرطبة، وإمارة «بنو عباد» في إشبيلية. بالإضافة إلى الصراع بين الإمارات التي يحكمها العرب، والتي يحكمها البربر الذين بدؤوا في منافسة العرب على الحكم، بعد سيطرتهم على الجيش، في عهد الحاجب المنصور؛ الذي استغل ضعف الخليفة الصغير، لتقوية حكمه؛ مما أدى إلى انهيار الدولة الأموية، وانفراط عقدها فيما بعد.

ووصل الأمر ببعض الإمارات إلى طلب الدعم من النصارى في الشمال؛ لحرب إخوانهم المسلمين في الأندلس، التي بدأت بدورها تتقلص شيئًا فشيئًا في شبه الجزيرة الإيبيرية.

انقلب الوضع لصالح النصارى الفرنجة، ضد المسلمين من العرب والبربر؛ وبدؤوا بفرض الجزية على الإمارات الإسلامية، عكس ما كان عليه الحال في السابق، وكان مقدر لتلك الإمارات السقوط بيد الفرنجة، لولا مناشدة مشايخ وعلماء الأندلس للمرابطين الأمازيغ في شمال إفريقيا؛ للتدخل وإنقاذ البلاد من الخطر الفرنجي المحدق، والتخلص من الحكام الفاسدين؛ فانتهى عصر ملوك الطوائف الذي لم يزد على ستة عقود.

المدد الأمازيغي

بالرغم من سيطرة المرابطين في البداية على تلك الإمارات، وإيقافهم للمد الفرنجي من خلال معركة «الزلاقة»، إلا أن المرابطين في البداية لم يتمسكوا بالبقاء هناك، بعد ما رأوه من البذخ، وترف العيش في الأندلس، الذي لم يعتادوا عليه في بلادهم؛ فهم محاربو الصحراء، الذين وجدوا في تلك الحياة المنحرفة بنظرهم بعدًا عن الإسلام وتعاليمه، لكن عودة ملوك الطوائف إلى التناحر مجددًا، واستعانتهم بالعدو على بعضهم البعض، وعودة الزحف الفرنجي؛ مما اضطرهم للتدخل مجددًا، وتنحية هؤلاء الملوك، والعودة لصد الفرنجة في الشمال. أصبحت الأندلس ولاية تابعة لدولة المرابطين في شمال أفريقيا لستة عقود أيضًا، قبل أن تنهار دولتهم، ويسيطر عليها الموحدون، وتنتقل التبعية إلى دولة الموحدين الأمازيغ أيضًا، الذين حكموا حوالي القرن امدوا الأندلس فيه بالسلاح والرجال أيضًا.

لكن في أواخر حكمهم وقعت معركة «حصن العقاب»؛ التي تجمعت بها جيوش أوروبية عديدة، بدعوة من البابا كانت أشبه بحملة صليبية على الأندلس، كسرت شوكتها نهائيًا،وفي الفترة نفسها قامت اضطرابات في شمال أفريقيا؛ أدت إلى تفكك دولة الموحدين، وسقوطها وتحولها إلى عدة دول في الشمال الأفريقي.

الضياع

بعد سقوط دولة الموحدين بدءت المدن الاندلسية بالسقوط واحدة تلوى الاخرى من طليطلة الى قرطبة فاشبيلية وفي النهاية لم يبقى الا إمارة غرناطة في جنوب الأندلس لوحدها، تقاوم الهجمات الصليبية لقرنين ونصف من الزمن، ولم يعتبر العرب المسلمون من الوضع الذي كانوا عليه في الأندلس، وأن المد الذي أتاهم من شمال أفريقيا، لن يستمر إلى النهاية؛ حيث سقطت غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس، بيد الإسبان الذين وحدوا مملكتي «أراغون وقشتالة»؛ لتتشكل دولة إسبانيا الحديثة لأول مرة، وجعلوا حلمهم الأكبر هو إسقاط غرناطة، وتم لهم ذلك؛ وبدأت محاكم التفتيش تطال المسلمين الذين لم يستطيعوا الهرب إلى شمال أفريقيا، أو يتنصروا.

حاولت الدولة العثمانية إنقاذ العديد منهم، وتهريبهم عبر البحر؛ فنجحوا أحيانًا وفشلوا في أخرى؛ لتبقى الأندلس الآن عبارة عن اثار ومعالم خالدة عن تلك الحضارة الغابرة ؛ من خلال القصور، والحدائق الغناء، والمباني التي تحمل فن العمارة الإسلامية الأموية؛ التي قدمت من دمشق أبرز ما يميزها كقصر الحمراء، وقصر الزهراء، ومسجد قرطبة… إلخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد