على الرغم من أن الحديث عن تاريخ الأندلس حديث مؤلم تقشعر منه الأبدان، وتنقبض له الأرواح، وتسيل منه المدامع، إلا أننا في أَمسِّ الحاجة إلى دراسته دراسة واعية ناقدة بعيدًا عن حالة البكائيات والرثائيات، فذلك التاريخ فيه من الدروس والعبر ما ليس في غيره، ولو أردنا أن نبحث عن مرحلة من تاريخنا تحمل بين جنباتها كل دروس التاريخ ما وجدنا أفضل من تاريخ الأندلس؛ ولذلك لا ينبغي أن تمر ذكرى سقوطها دون أن يكون لنا معها وقفات نتوقف فيها مع سنن الله الغالبة في قيام الأمم وسقوطها، ولكن دعونا أولًا نوجز تاريخ الإسلام في­ الاندلس في عُجالة.

الأندلس في سطور

تبدأ قصة الأندلس بحلم كبير للقائد الفذ العظيم موسى بن نصير، الذي قرر أن يخوض البحار والقفار ويفتح بلاد الأندلس، ثم ينطلق من غرب أوروبا إلى شرقها ليصل إلى القسطنطينية ويفتحها، وقد نجح موسى في عبور مضيق جبل طارق بعد قائده طارق بن زياد وفتحا الأندلس سويًّا حتى وصلا إلى جبال البرانس، ولكن الخليفة الوليد بن عبد الملك أمره بوقف التوغل والعودة إليه؛ فتوقف المسلمون وعاد موسى إلى دمشق وترك حكم الأندلس لابنه عبد العزيز الذي سرعان ما اغتيل لتدخل الأندلس في حالة فوضى وعدم استقرار، وخاصة في أواخر عهد الولاة حتى جاء عبد الرحمن بن معاوية سنة 138ه‍ وأقام الدولة الأموية في الأندلس، واستكمل مسيرته خلفاؤه هشام وعبد الرحمن الأوسط وعبد الرحمن الناصر، ثم بدأت الدولة في الضعف، ومع ضعف الدولة الأموية ظهرت تحت مظلتها الدولة العامرية التي أسسها المنصور بن أبي عامر، والتي استمرت قرابة نصف قرن، ثم سقطت وبسقوطها سقطت الدولة الأموية نهائيًّا سنة 422ه‍، ودخلت الأندلس في حقبة من أسوأ حقب التاريخ، وهي فترة ملوك الطوائف، والتي اشتدت فيها الصراعات والفتن والاضطرابات، ومع وصول الأندلس إلى أشد فتراتها ضعفًا دخلها المرابطون بقيادة يوسف بن تاشفين، وأقاموا دولتهم التي أعادت للأندلس شيئًا من قوتها، ثم قامت بعدهم دولة الموحدين، والتي لم تدم طويلًا ثم عادت الفتن والثورات مرة أخرى، وبدأت ممالك الإسلام في الأندلس تتساقط وتتهاوى في يد النصارى واحدة تلو الأخرى، ولم يتبق إلا غرناطة التي بقيت في يد بني الأحمر حتى سلم أبو عبد الله الصغير مفاتيحها للنصارى في الثاني من يناير (كانون الثاني) عام 1492م لتطوى بذلك صفحة من صفحات تاريخ الإسلام في أوروبا، وتسقط الأندلس بعد ثمانية قرون أقام فيها المسلمون حضارة من أعظم حضارات التاريخ، ويبقى السؤال: لماذا ضاعت الأندلس؟!

سنن الله الغالبة

عندما نقرأ في السيرة النبوية نتوقف كثيرًا عند أحداث غزوة أحد ونتائجها التي تدمي القلب، ويتبادر إلى أذهاننا دائمًا ذاك السؤال: كيف يُهزم المسلمون وقائدهم هو الشخصية الأعظم في تاريخ البشرية؟ كيف يهزمون وفي الجيش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة ومصعب وكل أولئك العمالقة، كيف يهزمون وهم يدافعون عن دين الله تعالى؟!

إنها سنة الله الغالبة التي لا تحابي أحدًا حتى وإن كان أحب الخلق إلى الله، لقد وضع الله لهذه الحياة سننًا وقوانين من التزم بها كان النصر والتأييد حليفه، ومن حاد رفع الله يده عنه؛ ولذلك لما خالف الرماة أوامر نبيهم وتهاونوا في تكاليفه وغلبهم بريق الدنيا وغنائمها الفانية كانت النتيجة الطبيعية انتصار أعدائهم. وهذا ما حدث في الأندلس؛ فعندما خالف المسلمون قوانين ربهم وبدلوا نعمة الله واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، حقت عليهم كلمة الله.

وقد تجلت سنن الله كاملة في الأندلس، فالسقوط لم يكن عشوائيًّا أو مفاجئًا؛ بل كان نتيجة طبيعية لعوامل الضعف والانهيار التي اجتمعت في الأندلس، والتي يمكن أن نحصرها فيما يلي:

عدم الحسم

نستطيع أن نقول إن السهم الأول الذي وجه للإسلام في الأندلس كان مع بداية الفتح، فبعد أن دخل المسلمون الأندلس وحققوا انتصارات عظيمة على القوط النصارى فر فلول النصارى إلى قمم الجبال وتحصنوا بصخرة عرفت بصخرة بيليه، وعلى الرغم من مطاردة المسلمين لهم إلا أنهم للأسف لم يصبروا على مطاردتهم واستهانوا وتركوهم دون أن يعبأوا بهم وقالوا مقولتهم الشهيرة: «ثلاثون علجًا ماذا عساهم أن يفعلوا؟» ومن هذه الصخرة قامت ممالك النصارى التي كانت سببًا في إسقاط الأندلس بعد ذلك.

الانحراف عن منهج الله

مما وقع فيه الأندلسيون وساعد في ضياع دولتهم انحرافهم عن منهج ربهم، ومخالفتهم لشريعته؛ فقد انغمس أهل الأندلس في الزينة والترف وتفرغوا للمجون واللهو، بل وصل الأمر إلى إدمان الخمر وانتشار الأغاني والموسيقى وتقليد النصارى والبعد التام عن تعاليم الإسلام، فكان ذلك إيذانًا بزوال الدولة.

الصراع على الحكم

بعد سقوط الدولة الأموية في الأندلس، اشتعلت نار الحكم وحب السلطة والطمع في نفوس ملوك الأندلس؛ فأخذ كل واحد يستقل بمقاطعة خاصة به ويقيم فيها دويلته، فظهر ما يعرف بدويلات الطوائف وتمزقت الأندلس إلى ما يربو على العشرين دويلة حكمهم ملوك الطوائف، وما أدراكم ما ملوك الطوائف، فقد فعلوا بالأندلس ما لم يقدر عليه الأعداء.

الخيانات

لقد لعبت الخيانات دورًا أساسيًّا في ضياع الإسلام في الأندلس، ومشاهد الخيانة أكثر من أن تعد أو تحصى، ويكفي هنا أن نشير إلى بعض خيانات بعض ملوك الطوائف، فهذا ابن الأحمر حاكم غرناطة يصطف مع النصارى ليحاصر مسلمي أشبيلية ويمنع عنهم الطعام والشراب حتى استسلموا للنصارى فأعملوا فيهم السيف واستباحوا دماءهم وهتكوا أعراضهم، وكذلك أبو زيد بن أبي عبد الله حاكم بلنسية الذي شارك مملكة أراجون النصرانية في حروبها ضد المسلمين، وكان له دور خطير في إسقاط الكثير من ممالك المسلمين في أيدي النصارى، ونماذج الخيانات التي تدمي القلب في الأندلس كثيرة ولكن لا يتسع الوقت لذكرها.

تخاذل العلماء

في الوقت الذي اشتدت فيه الفتن والخيانات، وانفرط عقد الإسلام في الأندلس، ووقف العامة حيارى لا يدرون ماذا يفعلون، كان العلماء في وادٍ آخر؛ ففريق يتصارعون في ما بينهم على خلافات وآراء فقهية هَمّ كل واحد فيهم أن ينتصر لمذهبه، وفريق آخر صنعوا من أنفسهم أحذية لملوك الطوائف يبررون لهم جرائمهم وخياناتهم.

مع كل هذه العوامل وغيرها الكثير والتي لا يتسع المجال لذكرها كان لا بد لكلمة الله أن تنفذ، وسنته أن تتحقق، فسقطت الأندلس، والحقيقة أن الأندلس لم تسقط بسبب قوة العدو؛ إنما سقطت بسبب ضعف المسلمين وهوانهم وتصارعهم على بقايا عروش ومناصب زائلة، سقطت الأندلس عندما اجتمعت فيها كل عوامل السقوط؛ فحقت عليها كلمة الله وسنته الغالبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأندلس
عرض التعليقات
تحميل المزيد