وأنت تسير بين الطرقات في مدينة كشفشاون أو قرية من قرى جبالة، في فاس أو الرباط، أو حتى من مناطق الريف الشمالية، تطل عليك قسمات تكاد تشك أنها عربية، عيون زرقاء تتماهى مع السماء، خضراء، عسلية وحتى رمادية، صبية شقراء تركض ترمي عليك ابتسامة لتختفي في آخر الزقاق،

 

 

 

 

 

يبلغ أذناك صوت دندنة للحن تعرفه وتجهله، حتى تتوضح الكلمات تباعًا “تكشبيلة توليولة” تتجمد خطواتك وتقف مستديرًا نحو مصدر الصوت لترمق أطفالًا راكضين عكس اتجاهك وضفيرة صهباء يلاعبها الهواء تلوح داخل المجموعة تسترق صاحبتها النظر إليك بضحكات بريئة وتختفي، يمضون إلى أن يبتلعهم الأفق. وجه من المغرب الآخر هو وهوية أخرى لم يمحها مرور قرون من الزمن.

 

 

 

أشجان الرحيل

من الضفة الأندلسية عبروا البحر نحو العدوة المغربية وانتشروا في البلد، منهم من هاجر بأهله وماله إثر بداية النهاية، فكانوا أندلسيين ذوي علم وجاه واصلوا مسيرتهم في بلدهم الجديد، ومنهم من هُجِّرَ ورُحِّلَ قسرًا بعد دهر من الاضطهاد والمعاناة مع محاكم التفتيش وصدور مرسوم الطرد يوم 22 سبتمبر من العام 1609م. من طرف “فيليب الثالث” إثر سقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس؛ غرناطة، فصاروا يدعون موريسكيين، وهو لفظ قدحي أطلقه القشتاليون عليهم بعد تنصيرهم قسرًا.

 

 

 

 

لاقى الموريسكيون خلال رحلاتهم صعوبات وتعذيبًا من نوع آخر حيث أنهم كانوا عرضة للابتزاز من طرف أصحاب المراكب القشتاليين، لدرجة أن عددًا كبيرًا منهم لم يكن يصل إلى وجهته المقصودة بسبب قتلهم أو رميهم في عرض البحر من طرف الربابنة، وعلى سبيل المثال، فالذين نزلوا منطقة وهران أملًا في انتقالهم للمغرب الأقصى، كان مصير أغلبهم السرقة والنهب من طرف الأعراب وقطاع الطرق لما كان معروفًا من أنهم يحملون أموالًا وحليًا نفيسة.[1]

 

 

 

 

مواطن الاستقرار الجديد

الأندلس

 

يقدر من هاجر للمغرب وحده خلال الفترة ما بين 1609م و1614م حوالي أربعين ألف شخص، عشرة آلاف منهم حلوا في تطوان عام 1613م وذلك حسب تقرير “الدوكي دي ميدينا سيدونيا”. ووفقًا لما ذكره صاحب كتاب “نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر” أن أهل مالقا خرجوا إلى بادس وأهل الجزيرة الخضراء خرجوا إلى طنجة، وأهل رندة وبسطة وحصن موغر وقرية كاردوس وحصن مرتيل إلى تطوان ونواحيها، وأهل ترقة إلى المهدية وأهل مسنين إلى الريف، وأهل لوشة وقرية الفخار والبعض وغرناطة ومارشينا والبشارات إلى قبيلة غمارة، وأهل بررة وبرخة وبوله وأندراش إلى المنطقة الواقعة بين طنجة وتطوان،

 

 

 

 

وانتقل بعضهم إلى قبيلة بني السعد (وادي لو حاليًا)، وأهل ألمرية إلى أصيلة ونواحيها، وأهل بلش مالقا وشيطة وشريش إلى مدينة سلا، وأهل طريفة إلى آسفي وآزمور وآنفا.[2]

 

 

 

 

 غرس بذور الحياة رغم المعاناة

“والملاحظ أن أهل الأندلس تفرقوا في المغرب الأقصى، فمال أهل البادية إلى ما اعتادوه، فاستنبطوا المياه وغرسوا الأشجار وأحدثوا الأرحى الطاحنة بالماء وعلموا أهل البادية أشياء لم يكونوا يعلمونها فكثرت مستغلاتهم وعمت الخيرات، ومال أهل الحواضر إلى المدن فاستوطنوها ففاق أهل الصنائع أهل البلاد وصيروهم أتباعًا لهم متصرفين بين أيديهم ومتى دخلوا في شغل عملوه في أقرب مدة وأفرغوا فيه من أنواع الحذق والتجويد” هذا ما جاء في كتاب نفح الطيب على لسان المقري[3]،

 

 

 

لكن هذا لا ينفي أن الأندلسيين عمومًا غلبت عليهم صفة الاعتزاز بأصلهم وافتخارهم بأنفسهم لدرجة أن عديدًا منهم لم يتأقلموا بسهولة مع السكان الأصليين للمناطق التي نزلوا فيها إلا بعد فترة من الزمن، وحتى وقت قريب ظل متداولًا بين العامة مصطلح “مسلمو الرباط” دلالة على الجالية الأندلسية في المدينة التي كان ينظر إليها بالريبة نظرًا لاختلاف ملامحهم وعاداتهم وحتى لهجتهم.

 

 

 

 

 

الموروث الشعبي

اليوم وبعد مرور عدة قرون من استقرارهم وذوبانهم في المجتمع الجديد ما يزال كل شيء يفوح عبقًا بتراثهم ورقيهم الذي وفدوا به، ففي الجانب الاجتماعي مثلا، انتشرت مجموعة من العادات وغدت متأصلة كإحدى عادات المجتمع المغربي مثل عادة اللباس الأبيض في المآتم، كما حمل الأندلسيون معهم إلى المغرب صورة الكف، وهي من بعض معتقدات المسيحية التي رسخت في أذهان الموريسكين باعتبار أن الكف هي كف مريم البتول وهي في معتقدهم مانعة للأرواح الشريرة وتطرد كل شيطان رجيم.[4]

 

 

 

 

ظلت بصمة الأندلسيين حاضرة أيضًا في عادات اللباس المغربي فمنها من احتفظ بشكله واسمه كما جيء به ومنها ما أدخل عليها تعديلات مغربية دون إفراغها من طابعها الأندلسي، نذكر على سبيل المثال:

 

 

 

 

البلغة:

نوع من الأحذية الجلدية، على شكل محذب بعض الشيء، انتقلت هذه اللفظة مع المهاجرين الأندلسيين إلى شمال أفريقيا وبها تركزت وهي لا توجد إلا في هذه المنطقة، وهي كلمة لاتينية في الأصل Quercus خضعت لعدة تطورات من طرف القشتاليين والمستعربين من بعدهم إلى أن كانت كلمة Al Borga أو البلغة.

الاندلس

 

 

 

 

  • السلهام:

    عوضت هذه الكلمة “برنس” التي لم تعد مستخدمة في المغرب واستعملت بدلًا منها كلمة “سلهام” المأخوذة من كلمة Zulame القشتالية، ولم تعد الكلمتان تستعملان في إسبانيا في الوقت الحالي في حين احتفظ بها في المغرب.

الاندلس

 

 

 

 

الكُرْزِيَّة:

نوع من الأحزمة تضعه المرأة في قبائل جبالة، وقد استعمل هذا الحزام في الأندلس على الأقل أواخر العصر الوسيط، إذ يوجد في القواميس الإسبانية بهذا الشكل Karazi-Karziyyat ولاحظ أكثر من مؤرخ استعماله من طرف الموريسكيين.

الاندلس

 

 

 

الشاشية:

عبارة عن غطاء للرأس وهي من الألبسة التي أخذها معهم المهاجرون الأندلسيون إلى شمال أفريقيا، ولا تزال تستعمل عند قبائل جبالة خاصة إلى يومنا.

 

 

 

الميراث العلمي

 

وبانتقالهم انتقل معهم علمهم أيضًا، إذ يعد الموروث العلمي الذي أتت به الجالية الأندلسية ذا وزن ثقيل في مختلف المجالات من ميدان العلوم التجريبية إلى الترجمة، وبفضلهم دخلت عدة مصطلحات تقنية إلى اللغة العربية. وذلك ما أحيى الدراسات الطبية والصيدلية في المغرب وبخاصة في فاس ومراكش، وقد قرب الملوك السعديون الأطباء الأندلسيين، واتخذوا من بينهم طبيب القصر الخاص، وأغدقوا عليهم من الصلات، والمكافآت مما شجعهم على النشاط في علاج المرضى، وصنع الأدوية وتأليف الكتب.[5]

 

 

 

المعمار والفن

الاندلس

 

إضافة للجانب الاجتماعي فقد انعكس وجود الأندلسيين في البلد على المعمار والفن فيها حيث تعتبر مدينة شفشاون بنت غرناطة بقصبتها وأحيائها وزرقة بيوتها،

 

 

وقد كان للأندلسيين الأثر البارز في ازدهار حركة الصناعة والتجارة والعمران والفنون والآداب والموسيقى في المدينة. حيث وصفها الأديب اللبناني أمين الريحاني عندما زارها سنة 1939م بقوله “شفشاون مجموعة ظلال على الأفق المشرق، الصروح البيضاء المتوجة بتيجان الحصون، الحاملة خارجًا وداخلًا رسالة الحمراء في الهندسة الغرناطية شكلًا ومعنى  – جملة وتفصيلًا – في النقش والتلوين، وقل التلحين وقل الغناء، وإن أجمل الألحان لفي هذا الزخرف وهذه الألوان”.[6]

الاندلس

 

ويسجل أحمد بن المهدي الغزال الأندلسي أثناء زيارته لغرناطة سنة 1766 “هي أقرب شبهًا بفاس في بنيانها، وجيران الأودية بجدارتها، ثم القناطر المضروبة عليها، وما اشتملت من الديار والخصص والزليج والدرابيز من اللوح المستدير بمساحات الطبقة الثانية المشرفة على صحن الدار والبيوت والغرف والسقوف والأبواب، والكل مشاكل لمدينة فاس”.[7]

 

 

 

 

وأخيرًا، لم تكن شبه الجزيرة الأيبيرية سوى قطعة من أرض جذباء، عمرها المسلمون لثمانية قرون لتصبح جنة في الأرض، وبطردهم دارت عجلة الحضارة بسرعة نحو الخلف لتغرق إسبانيا في ظلمات كانت هي من خطا نحوها حثيثًا،

 

 

 

 

فيما حمل معهم المطرودون روح الأندلس ليبثوها في بلادهم الجديدة وينصهروا فيها رغم أن ألقاب العديد منه ما تزال شاهدة على منبت أصحابها، نعم سقطت الأندلس كدولة إسلامية، استؤصلت بالنار والحديد، لكنها لم تسقط من الذاكرة وما روحها التي تسري بين الدروب في مختلف مجالات الحياة اليومية بين سكان المغرب سوى خير دليل على ذلك، وما زالت تتعالى أصوات الأندلسيين المطالبين من الحكومة الإسبانية الاعتذار من فترة التصفية العرقية التي مورست بحق الموريسكيين مساواة مع ما تم بحق اليهود السيفارديم من اعتذار وتعويض.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1]  دولة الإسلام في الأندلس، د.محمد عبد الله عنان- ص 401، العصر الرابع: نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين
[2]  كتاب الأمة الأندلسية الشهيدة - عادل سعيد بشتاوي، ص 334 الطبعة الأولى 2000، المؤسسة العربية
[3] نفح الطيب: الجزء الثاني، ص 764، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر بيروت 1968  نفح الطيب: الجزء الثاني، ص 764
[4]  الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16-17، د. محمد رزوق، ص 348-349  – الطبعة الرابعة 2014
[5]  المصدر السابق ص 328
[6]  شفشاون تاريخ، حضارة، أصالة – د. محمد القاضي/د. أحمد أرشنان ، ص 7 - 27
[7]  الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16-17،  د. محمد رزوق، ص 356  – الطبعة الرابعة 2014
عرض التعليقات
تحميل المزيد