لأن كشفت بعض المصادر التاريخيّةِ عن محاولاتٍ أولى للتخديرِ تعودُ إلى عصورِ ما قبل التاريخِ، سواءً في بلادِ الرّافدين حيث استعملَ السومريّون مخاليط من الكحول ونباتِ الخشخاشِ، أو لدى سِواهم من المصريّين أو الصينيّين القدامَى، الذين اعتمدوا مستخلصاتِ اللفاح أو ما يسمّونه ببيضِ الجن (Mandragora) كموادٍ مخدرة. ولإن تطوَّرت هذه التجاربُ تباعًا لاسيما في العصور الوسطَى، حيث ابتكر العربُ «الإسفنجة المُشبعة» أو إسفنجة النومِ التي كانت تُنقع في محلولٍ من الكحولِ واللفاح وعصيرِ الشوكران وغيرها من الموادِ ثمّ تجفّف، لتوضع أثناء الجراحةِ على الغشاء المخاطي للأنفِ فتحدث من ثمّةَ عمليّة الامتصاصِ الدموي، ما عُد تاريخيًّا لبِنة فكرة التخدير الإنشاقي. ولإن تتابعت هذه الجهود تترًا باعتمادِ مواد ذاتِ أثرِ جزئيّ على مدى القرون، فإنّ القرن التاسع عشر مثَّل نقطة التحوّل العظمى.

تجربة مورتن:
تحديدًا في السادس عشر من أكتوبر (تشرين الأول) لسنة 1846، في مستشفى ماساتشوستس في بوسطن، كُتبت صفحة جديدة من تاريخ التخدير، حيثُ قدّم طبيب الأسنانِ الشاب «ويليام مورتن» أوّلَ برهنة تطبيقيّة للتخدير العام الكامل باستعمالِ إيثيل الإيثر (Diethyl ether )، حيثُ عمل مصحوبًا بالجرَّاحِ المتردّد آنذاكَ «جون وارين» على إزالة ورمٍ في الفكّ السفلي للشاب إدوارد جيلبرت أبوت. ليصرخ الجرّاحُ المتشكّكِ في الختامِ معجبًا: «أيها السادة ، لم يكن هذا هراءً!» وليحصل مورتن إثرها على براءة اختراعٍ هي الأولى في هذا المجال! وإن ادّعى غيره السّبق إلى ذلك، كالطبيب الأمريكي «كروفورد لونج» الذي زعم أنّه لاحظ صدفةً أنّ صديقه لم يتألّم قط عندما تعثّر فأصيبَ إصابة بليغةً، لمّا كان تحتَ تأثير إيثيل الإيثر والذي كان يُستعمل حينها كعقار ترفيهيٍّ فحسب، ما دفعه للتفكيرِ على الفور في إمكانيّةِ استعمالهِ في الجراحة. وأنّه بالفعلِ قد أخضع أحد طلّابهِ لجراحة غيرِ مؤلمة سنة 1842 استأصل فيها ورمين صغيرينِ، غير أنه لم يُعلن عن اكتشافهِ إلّا بعد برهنة مورتن.

وهكذا وبلمحِ البصرِ أخذ شعارُ «الجراحةِ بلا ألم» يتردّدُ في الأنحاءِ وبين مصدّقٍ ومكذّبٍ، بلغ الخبرُ بريطانيا عن طريقٍ الجرّاح «يعقوب بيجلو»، الذي كان قد حضر «عرضَ مورتن» كما أسماه قبل أن يُرسل لصديقٍ له في لندن يصف لهُ ما حدثَ، من خلالِ رسالةٍ بلغت ميناء ليفربول في منتصفِ ديسمبر (كانون الأول) لتلاقِي اهتمامًا بالغًا من جرّاحي أوروبا. حيث أجريَت هناك للمرّة الأولى، وفي اليوم ذاته بتاريخِ التاسع عشر من ديسمبر 1846 جراحتانِ باستعمالِ ذلكَ المخدّر. أولاهما في المستشفى الملكي بـ«دومفريز» بإسكتلندا لمريضٍ كان قد دُهس بواسطة عربة، ما تطلّب بتر ساقه. وثانيها في «لندن» حيثُ قام طبيب الأسنان «جيمس روبنسون» بإزالة سنِّ ملكة جمال لونسديل تحت تأثير إيثيل الإيثر.

المرورُ إلى الكلوروفورم:
إلّا أنه وبعد فترة وجيزة بدأت آثار المخدّر الأثير تثيرُ قلق الأطبّاء، كالتقيّؤ المفرط والغثيان، وقابليتهِ للاشتعال، ما أدّى إلى استبدالهِ تدريجيًّا بمخدّرٍ جديد، وهو الكلُوروفُورم الذي حصل على موافقةٍ ملكيّة في عام 1853 عندما أعطاه «جون سنو» الطبيبُ الإنجليزي الشهير للملكةِ فيكتوريا، أثناء ولادة ابنها الثامنِ الأمير ليوبولد. حيثُ حقق الكلوروفورم خلال الولادةِ كلّ توقعاتِ الملكة، التي ذكرت أنها كانت «مُبتهجة إلى أبعدِ الحدود»

الحاجة إلى مختصّين:
إلّا أن استعمالاتِ هذا المخدّر بدأت بدورِها في الكشفِ عن آثارهِ الجانبيّةِ، كاضطراباتِ نظامِ ضرباتِ القلب، والتهاباتِ الكبد والقلبِ والكِلى، ما دفع الشمالَ الأمريكي إلى العودةِ مجدّدًا إلى الإيثر، في حينِ تمسّكت المملكة المتحدة بالعقارِ الثانِي. وتباعًا، ونظرًا ألى نجومِ حالاتِ وفاة من جرّاء المعالجة غير المدربّة بهذه المواد، بدأ الجرّاحون في تقدير الحاجة الملحّةِ إلى طبيب تخدير خاصٍّ ومدرّب يستجيبُ لخمسةِ شروطٍ سنُّوها، أوّلها أن يبديَ رضاه عن «الدور التبعيّ» الذي يتطلبّه العمل. ثمّ أن يجعل التخدير مصلحتَه المفرطة. وثالثًا عدمُ النظر إلى وضعهِ كواحدٍ ممّن تتاحُ لهم المشاهدة والتعلُّم من تقنية الجراحين. بالإضافةِ إلى قَبول الأجر المنخفض نسبيًّا في ذلك الحينِ، وأخيرًا أن يكونَ ذا قدرةٍ وذكاء وافر يؤهّلانهِ لتطويرِ مستوًى عالٍ من المهارة في توفير التخدير السّلس، وتحقيقِ الاسترخاء المطلوبِ.

وعلى مدار الأربعين عامًا التالية، أُلّفت كتابات طبيّة كثيرة واعتُمد بعضها مراجعَ لتدريسِ طرق التخديرِ كما قُدّمت أعداد هائلة من العواملِ المخدّرة رغم أن عددًا قليلًا منها فحسب صمدَ أمام الزمن. وحيثُ بدأت الأمور تتطوَّر بشكل متسارع، أُدخلَ التخدير الموضعي عبر الكوكايين في عام 1877. ثم جاء التسلّل الموضعي (local infiltration ) ، وكتلُ الأعصاب (nerve blocks )، ثم التخدير النخاعي والتخدير فوق الجافية (spinal and epidural anaesthesia) في تسلسلٍ مهيب مع بداية القرن العشرين.
ثمّ كان الابتكارُ المهم التالي هو التحكّمُ في الشعب الهوائية باستخدام الأنابيب الموضوعة في القصباتِ، والتحكم في التنفّس. ثم جيءَ بعوامل الحثّ الوريدي ومرخيات العضلات، وبالهالوثان كعميل استنشاقي ثوري، سهلِ الاستخدام.

ولربّمَا كان من الصعب أن نفهمَ اليوم مدى أهميةِ هذا التقدم. إذ كان ينظر إلى الجراحةِ قبل ذلك كملاذٍ أخير مرعبٍ في محاولة أخيرة لإنقاذ الأرواح أو تخليصِها ممّا لا يطاق. لذا كانت تقتصرُ في معظم الأحيانِ على الجراحاتِ السطحية أو البتر أو «قطعِ الأحجار»؛ أي إزالة حصوات المثانة، في حينِ مثّلت الأجزاء الداخلية من البطنِ والصدر والجمجمة مناطقَ «محظورة». كما كانت شديدة التطلّبِ للسرعةِ، حيث كان الزمنُ المحدّد الأوحدَ تقريبًا للجرّاح الناجح. وهو ما تغيّر كليًّا بفضلِ التخدير، إذ فضلًا عن تخفيفِ معاناةِ المرضى، صار بالإمكانِ إبطاء الجراحةِ لتصبح أكثر دقّة. كما صارت «المناطق المحرّمة» مشروعةً، وهو ما أسهم بشكلٍ كبير في تطور الممارسة الجراحية.

وهكذا تتابعت على مدَى العقودِ سلسلةُ التنقيحاتِ بهدفِ جعلِ عمليّة التخدير أكثر أمنًا وأحوطَ من خلالِ تقنياتٍ أُحكمت بفضل مساعي التحسينِ المتواصلة، وبوجودِ أنظمة مراقبةٍ متطورة، وفهمٍ أوسعَ للوظائف الجسدية. تنقيحاتٌ ما زالت إلى اليومِ في سعيٍ حثيث، رغم كلّ ما بلغته إلى المزيد من التطوّرِ المأمولِ على مدار الأعوامِ القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ألم, تخدير, جراحة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد