كُنت أجد نَفسي مُضطرًا أحيانًا إلى خَوض حِوارات والتَّعقيب على مُهاتَرات مع أُناس، قد صَدَّهم عن قُبول الحَق أهواؤهم، فخُتِم على قُلوبهم أو يَكاد. غير أنَّني لا أزال يَضيق صَدري إذا ما رأيت مُغالطة أو صادفتني شُبهة، ويَحجمني عن الخَوض مع قائِلها الشَّك في جَدوى الحِوار. وقد صارت عادتي التَّعقيب في مَقال، ليَكون رَد «شُبهته» مُتاح له ولغيره، بَدلًا مِن أن يَكون مَقصورًا عليه، فتَزداد فُرصتي في هِداية مَن أراه ضالًا وأشفي صَدري مِمَّا يُقال!

قرأت مُقارنة ساذِجة بَين «إنسانيَّة» آنجلينا جولي الَّتي فَعَلت وفَعَلت وبَين «رَفاهية» شَيخ كالشَّيخ «مُحمَّد حَسَّان»، والمُقارنة على ما يَبدو مِن شَخص مُسلِم؛ يُفترض أنَّه قد قرأ شَيئًا مِن القُرآن وسَمع عَدَدًا مِن الأحاديث وعلى عِلْم بمَبادىء الإسلام الَّذي يَدين به، غير أنَّه عَلَّق مُتسائِلًا أو بالأحرى ساخِرًا «مَن سَيَدخُل الجَنَّة؟»!

وتَذكَّرت ما قرأته سابِقًا لأحد المُلحِدين العَرَب مِن أن «أهل الجَنَّة.. قَتَلوا العالَم» و«أهل النَّار.. غَيَّروا العالَم»، وقد ألحق كَلامه بصُورة بها مُسلِمين وغير مُسلِمين ( Mark Zuckerberg وBill Gates وSteve Jobs )، فقُلت سُبحان الله! أن يَقول بهذا مُلحِد مَفهوم مع تَهافُته، فكيف يَقوله مَن يُفترض فيه الإسلام؟! أهو الجَهل؟!

على كُل حال سأُعقِّب على ما قاله «المُسلِم»، ثُم أعقبه بما قُلته للمُلحِد..

التَّعقيب على «المُسلِم»:

لا أدري كَيف فاتك أن الإيمان – بالله ومَلائكته وكُتُبه ورُسله واليَوم الآخر والقَدَر خَيره وشَره – شَرط أساسي لدُخول الجَنَّة! ألم تَقرأ – مَثَلًا – قَوله تَعالى {والعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}؟! فهل هذا الشَّرط «الأساسي» قد تَحقَّق في «آنجيلينا»؟!

ثُم أنت تَتَحدَّث عن «إنسانيَّتها» فتَقول أنَّها تَبرَّعت بالأموال الطَّائِلة وتَبنَّت الأطفال، فهل فَعلته تَديُّنًا أم – كَما قُلت أنت – لإنسانيَّتها؟! وكَون ما قامت به راجع لإنسانيَّة، فهي لا تَبتغي به رِضا الله أو جَزاءه في الآخِرة، بل رِضا إنسانيَّتها ورُبما ثَناء النَّاس، وقد كان!

أمَّا عن ثَراء الشَّيخ مُحمَّد حَسَّان ورَفاهية عَيشه كَونه يَمتلك سَيَّارة Hummer، فمَن قال لك أن الغِنى في الإسلام حَرام، أو لا يَجوز مِن شَيخ يَدعو إلى الله؟! ألم تَسمع بعَبد الرَّحْمَن بن عَوف أحد العَشَرة المُبشرين بالجَنَّة وقد كان مِن أغنى النَّاس؟!

التَّعقيب على المُلحِد:

لقد وَقعت توًّا في عَشَر مُغالطات:

  1. لقد قُمت باخْتيار عَيِّنة «مُنتَخَبة» مِمَّن وَصَفتهم بأنَّهم أهل النَّار وأُخرى مِمَّن وَصَفتهم بأنَّهم أهل الجَنَّة، بَحيث تُظهِر تَناقُض الوَصف مع الجَزاء. وهذا يُعرف في المَنطِق بمُغالَطة التَّعميم المُتسرِّع ( Hasty Generalization ).

فأستطيع أنا أيضًا أن أضع صُورة بها ستالين ولينين وماو تسي وجيفارا وغَيرهم وأكتُب «قَتَلوا العالَم»، وصُورة أُخرى لابن سينا وابن النَّفيس والخَوارِزمي وجابِر بن حيَّان وغَيرهم الكَثير وأكتُب «غَيَّروا العالَم».

  1. المُغالطة الثَّالية الَّتي وَقَعت فيها هي تَجاهُل المَطلوب (Irrelevant Conclusion ): فأنت لم تُقدِّم دَليلًا على بُطلان «الخَلْق»، والَّذي يَترتَّب عليه بُطلان «الجَنَّة والنَّار».
  2. بَدَلًا مِن تَفنيد الأفكار الدِّينيَّة قُمت بالطَّعن في بَعض الأشخاص المُنتسِبين إلى الدِّين، وهذا يُعرف بالشَّخْصَنَة (Ad Hominem).
  3. اسْتَخدَمت ألفاظًا مَشحونة (Loaded Words): فالقَتل لَيس في كُل الأحوال شَرًّا، ومَن وَصَفتهم بأنَّهم أهل الجَنَّة لم يَقتلوا « كُل العالَم»!
  4. أنت تَفترض أن «التَّغيير» الَّذي أحدَثه «أهل النَّار» كان إيجابيًّا، وهذه أيضًا مُغالطة – المُصادرة على المَطلوب (Begging The Question ) – لأن البَعض قد يَعتبر أن هذا التَّغيير كان سَلبيًّا أو سَلبيَّاته تَفوق إيجابيَّاته.
  5. كأنَّك تَقول أن أهل الجَنَّة قَتَلة، وهذا إحراج زائف (False Dilemma).
  6. جَعَلت «القَتل» سَبَبًا في دُخول الجَنَّة، و«التَّغيير» سَبَبًا في دُخول النَّار، وهذه أسباب زائفة (False Causes).
  7. وَقَعت في مُغالطة Straw Man، فلَيس شَرطًا أن تَكون أفعال مَجموعة مِن المُنتسِبين إلى الدِّين هي نَفسها تَعاليم هذا الدِّين.
  8. حَسْب مُغالطة التَّأييد دون التَّفْنيد (Confirmation Bias ) فإن العُثور على مِثال واحد يؤيِّد القاعِدة لا يُثبت صِدقها، بينما العُثور على مِثال واحد يُفنِّدها يُثبت أنَّها كاذِبة.

يُفترَض أن نَضَع صُورة لينين مَثَلًا مع أهل النَّار.. فهل قَدَّم شَيئًا نافِعًا للبَشَريَّة أم أنَّه مُجرِم وسَفَّاح؟!

  1. أنت تَربُط القَتل بأسباب دِينيَّة، مع أنَّه في أغلب الأحيان يَكون مُرتبِطًا بأسباب دُنيويَّة. هذه مُغالطة «ذنْب بالتَّداعي» ( Guilt By Association ).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آنجلينا
عرض التعليقات
تحميل المزيد