إننا نرسم الحياة بالفحم على ورق مقوّى، بل بالدموع أحيانًا، والكثير من اليأس والأمل في آنٍ واحد. الحياة غير موجودة، والغريب أننا فيها. كيف يتسق هذا الفهم في ذهن، أو كيف تتسامح اللغة فيما لا يجب أن يتضادا. تهيمن الأحلام على أرواحنا كآلهة إغريقية شديدة الحزم، لا نقدر على رفض أوامرها الصارمة التي تساهم أرواحنا خلسة عنا بتحريضها علينا، ولا نملك غير الطريق، طريق؛ نتفيء ظلالها ونشرب من سواقيها وأنهارها. الأزمة التي تختال على جثثنا كفتاةٍ جلفةٍ متمرسة على المخاطر، لا يعنيها الإرهاق حتى تصِل على أي حال. «إن الإنسان الذي يتوحد مع أفكاره يدرك نفسه على نحو رائع، فهو واعٍ لنجاح كلي، حتى وإن كان قد اشتراه بخيبات محددة وموحدة. فأنا لا أجد بدًّا عن الاعتماد على فاقتي، أكثر من اعتمادي على ثرائك»، كما قال رالف والدو إمرسون.

تسقط الفاكهة المعلقة بسبب الجاذبية، وإلا ستبقى في غصنها حتى تتعفن. إن من يعرفنا يعمل على اغتيالنا دون أن يخسر طلقة واحدة، يكتفي فقط بإحدى السيئتين في عملية الاغتيال اللا أخلاقية، إما أن يكون وغدًا، وإما أن يكون جبانًا. طبع الأوغاد الحنق، والسعي في اختلاقه، وطبع الطيبين الجبن، والبحث عن مبرراته. هذان الشخصان دالتان على التفاهة، في عالمٍ متوحشٍ لا يرحم عاجز، ولا يقيل عاثر، المضحك الذي لا يُبكي، أو المُبكي الذي لا يُضحك، أن العجز مادة سائلة وكذا العِثار، لا يتوقفا عند أحد حتى يتجاوزا الآخر، دون تفريقٍ أو تعطيلٍ في مضمار سعيهما أو انسكابهما.

قبل بضعة أيام مررت على إحدى محطات الباصات، وكان الجو باردًا شديد البرودة، فوجدت، فتى لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره، وقد تأبط ثيابه كلحاف يقيه شر الصقيع، وارتمى كالنائم على ممر العابرين إلى المحطة، ووضع بجواره كأس بلاستيكي ليتصدق عليه من أراد أن يتصدق. كنت أراقب المارة والألم يعربد في قلبي، فلم أر منهم من له قلب كي يتصدق على ذلك المسجي في احوجاجه وعوزه. سخرت من نفسي، أو ربما سخرت مني هي هذه المرة لتسألني: «ماذا عسى الإنسان أن يعمل أكثر من هذا الفتى فيشفق الناس عليه؟». وأجبتها بخجل: «لا شيء!».

الغريب في الأمر أنني لم أفعل شيئًا لذلك النائم، ربما بكثير من التثاقل أخرجت بضعة نقود معدنية ووضعتها هناك ومضيت أتخبط في أفكاري، كالعاشق الذي لا يعرف كيف يُعبِر عن مشاعره.

هناك عامل حقير في الإنسان، إذا لم يضبط ويُزّم يسهل السقوط والاضمحلال، بل السقوط أسهل بكثير من الوثوب كإنسان. الوغادة، إن جاز التعبير هي ذلك العامل القابع في شكل كموني، وهي ذلك الجبن، وهي تلك الخصال النذلة التي تتعدد ولا تحصر.

العقل الذي راث على صاحبه إحدى الرافعات في تبييض هذا العامل، أو تلكم العوامل الكمونية المتناسلة أو المتعددة، فهو يُقدم نفسه على شاكلة الرجل الحكيم، والناصح الأمين، والفاهم الأول. هكذا يمارس خديعته مع الطيبين الجبناء، كما يعمل مع الأوغاد بطريقة مغايرة، إذ يرى في الصرامة ما ينفع، وفي التعلل ما يشفع، وهو مع ذلك يدرك أنه يشتغل بطريقة تافهة.

تبرز الشخصية في العدم لا في الوجود، في حمضيات الأيام واعتصار مرارتها، في ثلوج اللحظات أو اشتعالها، من يظن بأنه يعرف هذا العالم دون أن يخرج إليه عاريًا، جائعًا، ضائعًا، فهو لا يعرف سوى أمه، لا هذا العالم. يبقى الإنسان صاحب دعوى عريضة، غالبًا ما تكون صبيانية، لم يختبرها ولم يعقلها، قد يصل الأمر أحيانًا إلى أنه لم يسمع بها، ولكنه مع ذلك يغامر حتى يعترف لنفسه بعلم كيما يرى الوجود، ويشعر بعسل الأيام الذي تتذوقه ولا يتذوقها، وبملاحظات الطقس الذي لا يعرف معدلاته. شيء من الاغترار والتبختر الساذج.

إن هذا الإلهام النفسي الذي أسميه إيمانًا واحتسابًا بالوغادة، لا يعمل على اكتشاف نفسه إلا في الآخر، ذلك أن الحس الأخلاقي ضامر كضمور النخلة المتشامخة، بينما الخواء يأكلها، حتى إن هذا التشامخ الأبله عامل آخر من عوامل الخواء. لا ميزة للطيبين سوى أنهم جبناء، أكانوا معك أو وقفوا ضدك، أعطوك أو منعوك، أحبوك أو كرهوك، والطيب الجبان في رأيي ليس بكائن حيّ نتحدث عن روحه حتى يهبها لسواه، فهو يعجز عن أن يهبها لنفسه في مواقف كثيرة، يمتهن الأعذار كما يبعث الثقة غير الموجودة أصلًا، وما حاله إلا كحال ذلك الحلاق الذي يتناول شعرك بأكثر من صبغة من أجل الوصول إلى صبغة واحدة يريدها سلفًا.

إن الجمال الهادي الوحيد للصواب، والبوصلة في معتركات التهافت والمتغيرات، فما كان جميلًا كان صحيحًا بالضرورة، وما كان قبيحًا كان غلطًا بالضرورة. لا أود إقحام الدين أو العلاقات في هذا السياق الساخن، حتى لا ترتفع كلفة الحنق أو الجبن، على إنها في الحقيقة تمثل فضائح متراكبة من أي جهةٍ طرحتها، وعلى أي محورٍ تناولتها، فكيف والحال متراكم والأواشج متداخلة كتداخل الارتباك في الفعل أو كوضوحه.

في كتاب «الرحلة البحرية»، لبومنت وفليتشر، يقول جولينا للكابتن البدين ورفاقه:

«جولينا: ألا ترون أيها العبيد أن بمقدورنا أن نشنقكم؟
السيد :ممكن جدًّا أن يكون بمقدورنا أن نُشنَق ونحتقركم!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد