مزرعة الحيوانات، رواية، تدور أحداثها في مزرعة «مانور» قديمًا، التي يُديرها رجل من البشر له سلبياته وإيجابياته، يساعده مساعدان، وتعيش زوجته في منزل المزرعة، ثم يحدث انقلاب أو ثورة على نظام البشر من قِبل الحيوانات، الخنازير والجِياد والحمار والدجاج والإوز والكلاب والخراف، يهرب على إثرها مالك المزرعة وزوجته وعاملاه منها، تغير الثورة اسم المزرعة إلى «مزرعة الحيوانات» يقودها الخنازير بزعامة خنزيرين مختلفي الطباع، أحدهما ينقم على الآخر، نابليون على سنوبول، الأول ميال للحكم الشمولي، والثاني ميال للحكم الديمقراطي والتوسعي والتقدمي، وعلى مضض يحكمان معًا المزرعة، ويتوليان شؤونها.

مع تطور الأحداث يُسخر نابليون تدريجيًا خنزيرًا داهية إعلاميًا اسمه سكويلر، وكذلك الخراف والكلاب (الإعلام والشرطة أو الجيش) لخدمة أغراضه، فيطردون سنوبول من السلطة، ومن المزرعة، ويُعادونه، ولا يظهر أبدًا خلال الأحداث، اللهم إلا من خلال التشنيع عنه وتشويه سيرته والترويج عن جرائمه، والتي تتخذ منحى متناقضًا مع تطور الأحداث يخدم في كل مرة أغراض نظام نابليون. وتنطلق الشعارات لبناء المزرعة وتنميتها، مع تسخير الحيوانات من أجل تلك الغاية، التي تستوجب تضحيتهم والتنازل عن بعض حقوقهم، وتخويفهم من عودة حكم البشر، أو إفزاعهم من جرائم سنوبول الشبحية.

وفي كل مرة؛ نظرًا لجهل الحيوانات، وإرهاقهم بالعمل المستمر؛ يتدرجون نحو الاستسلام والركون والصمت؛ فيضعف حالهم، وتقل حصصهم الغذائية، ويذهب إنتاجهم لصالح النظام وجيرانهم من البشر خارج المزرعة، يتسيد الخنازير، فيصبحون في رفاهية، ويتميزون عن بقية أجناس الحيوانات؛ نظرًا لزعامة نابليون الخنزير على المزرعة وقيادتها، مع تطور الأحداث يتم التلاعب بالوصايا السبع التي تكون بمثابة دستور للحيوانات أقروه مع انطلاق الثورة، مؤسس على عداوة البشر ومُخالفتهم.

وتتكئ الأحداث على تلك الوصاية خلال فصول الرواية، ففي كل مرة تُحذف كلمة من وصية، أو يُزاد عليها، ما يُبرر خرقها من قِبل النظام لمصلحة خاصة، أو انتهاك حقوق، تنتهي الثورة بديكتاتورية أعظم مما سبقها، بسياسة استبدادية تنتهك كل القوانين، وتُشكلها كما يحلو لها مما يتفق مع مصالح حكومتها، ومع مصلحة الجيران من البشر التي يحرص النظام الفاسد على علاقة ودية مبنية على التعاملات السياسية والاقتصادية المتبادلة، وإن كان المستفيد الأعظم من المزرعة هو الجيران، ويقرروا معًا أن تعود المزرعة لاسمها الأصيل قبل الثورة أو قبل الانقلاب إلى «مانور»، فضلًا عن عودة نظام سياستها القديم.

قرأت ترجمتين معًا بالتناوب، بحيث أقرأ فصلان، أحدهما ترجمة الآخر، والثاني جديدًا.. الأولى (مزرعة الحيوان) ترجمة صبري الفضل عن مكتبة الأسرة من إصدارات القراءة للجميع، والثانية (مزرعة الحيوانات) ترجمة شامل أباظة عن دار الشروق. في الحقيقة، إن الفرق لم يكن كبيرًا، ففي ترجمة القراءة للجميع تستخدم الحوار وحده دون دمجه بالسرد، أما الثانية فتلافت الحوارات ودمجتها بالسرد، الأولى لم يكن مُعتنى بترجمتها بعربية فصيحة، أما الثانية ففُصاحتها كانت عالية، وعلى كلٍ، فأحسست أن كليهما يُكملان لي تفاصيل طفيفة أو يوضحانها، بين السطور، من خلال استخدام ألفاظ مختلفة، تُعين على اكتمال الصورة والتعبير.

رواية عبقرية، من مدرسة الأدب العجائبية، عن نواميس الثورات، وسنن الأرض في السياسة والساسة عبر العصور، تتبع بكل الدقة تفاصيل الديكتاتورية، والهيمنة على إرادة الشعب، واستغلال طاقته، وتبديد موارده. كما نجد، السياسة القذرة التي يتبعها نابليون الحاكم الشمولي.

نرى التخوين لأفراد الشعب لمجرد شبهة مُعارضة في حق أو احتجاج على ظلم ومخالفات حكومية. نتتبع طُرق صناعة النظام للإرهاب، سواء من خلال أدواته القمعية من الشرطة والجيش، أو من خلال الفرقعات الإعلامية أو من خلال الضغط على أفراد الشعب، بزيادة الاحتقان عبر ممارسات النظام القمعية، ومن ثم اختيار المتطرفين سياسيًا طريق العنف لمُواجهته.

نُعاين كيفية صُنع النظام لشماعة وهمية، تتحمل أوزاره وأخطاءه وحُمقه السياسي، والتي تتمثل في الخنزير (سنوبول)، وسنوبول هو الإخوان المسلمين في مصر، والجيش الحر في سوريا، المسلمين في بورما البوذية، المسلمين في صربيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو، وغير الموالين للنظام كوريا الشمالية، ويُقدروا بعشرات الآلاف، وغيرها من الأنظمة الطاغية وشماعاتها المُنتهكة. ويُروعنا تزييف الحقائق، وتشويهها، وإلباس الحق بالباطل، وظهر هذا جليًا في فصل الثورة، ودور سنوبول فيه، واتهامه على مدى الرواية بأنه ساعد على الثورة، أو تهربه من النضال، ثم خان رفاقه، ثم أصبح عميلًا للبشر لهزيمة الحيوانات فيها.. كذلك تحميل الحوادث العارضة أكثر من حقيقتها محمل التلفيق والتجني.

كذلك رأينا سياسة النظام الصارمة مع الرعية، من إرهاق بالعمل، حتى تكاد تستغرق اليوم كله؛ ما يلهيها عن مناطحة الحكومة أو يدع لها مجالًا للتفكير، وامتصاص طاقتها؛ مما يضيع فرصة الاحتجاج على الانتهاكات بحقها، بجانب الخداع الإعلامي.. أيضًا سياسة التجويع والتقشف، والإهمال، والاستخفاف، والقمع، والتخويف، وإسكات الصوت.

أشعرني عدة مرات من خلال أسلوبه الممزوج بالسخرية المتوارية، بأن الشعب الضعيف، الصامت، المشغول بقوت يومه، ما هو إلا حيوانات، بذاكرة حيوانات، ذاكرتها ضعيفة، وذهنها واهن أينعم، إلا أن قوتها موفورة، وما تغني قوتهم عنهم شيئا! أينما يوجهها سيدها تتوجه. أو كعبد لا نفع له، في المثل الذي ساقه الله بالآية الكريمة: (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) سورة النحل 76.

ولعل عبقرية الرواية تتأتى من فكرة أن الشعوب البائسة ما هم إلا حيوانات بهيمية عنيدة ، تخدم بمهانة في صالح سيدها، كافرة بالحق، لا تكلف نفسها عناء الفهم ولا الثورة على الباطل، حالها الإذعان للباطل، فهو وضع يتطابق مع تشبيه الكفار والعصاة بأنهم كالأنعام والدواب: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) الفرقان 44، (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون. ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون) الأنفال 22-23.

وثمة ملاحظة هامة، وهي أن الكفر والعصيان، ليس هو الخروج عن ملة الإسلام، بقدر ما هو السلبية، والخنوع للظلمة، والخوف من قول كلمة حق عند سلطان جائر، والسكوت عن الفساد والباطل، وعدم الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر، والخوض مع الخائضين، والفسق مع الفاسقين، وبالتالي، الشعوب الخانعة تستحق الظلم بما كسبت أيديها طالما لم تتمرد على ذلها وهوانها واستخفاف المستبدين بها.

هنا تأتي النهاية عبقرية، ومناسبة تمامًا لأوضاع رعايا من الحيوانات بتوصيفهم الذي سُقته، بتجمع النظام بأفراده مع الجيران على مائدة واحدة، يتناوبون الود والمدح والنفاق، من أجل مصلحتهم فحسب بدون أي تضارب، بينما الحيوانات يستمعون إليهم متواريين، في خنوع وانعدام حيلة. يستمر الذل والهوان، والتغاضي عن العودة للنظام القديم، بخيارات أقل وأكثر إجحافا.. وهنا لا يكون رعايا المزرعة مظلومين، إنما يسيرون مستحقين لذلك المصير، بما كسبت أيديهم، استبداد وتطاول مقابل استسلام وتنازل، وإفراط وطغيان مقابل تفريط وتغاضي.

يشبه نابليون الدكتاتور جونز صاحب المزرعة السابق، يدخن غيلونه، يرتدي ملابسه، يمشي مشيته، يقطن منزله، يمارس سياسته. يصبح طبق الأصل منه، وبالتالي لا فرق بين العهد القديم وعهد الثورة التي أُلغي تاريخها وشُوه، وحُرف إلى عصيان وشغب! هنا تصلح الرواية أن تُقرأ من بدايتها تكملةً لآخرها، وهكذا دواليك.

وأختار هذين المقطعين – من ترجمة دار الشروق – ليُعبرا عن النهاية أفضل تعبير:

لكن كلوفر لم تعد تدري ما الذي جد على الخنازير أو عليها هي؟، فما عادت تميز بين وجه وآخر!

وعلت نبرات الغضب من اثني عشر صوتًا تشابهت نبراتها، وتشاكل أصحابها، فما عادت الحيوانات تُدرك: أين الخنازير؟، وأين الرجال؟

ففي الخارج كانت المخلوقات التعسة تنتقل بأبصارها من الخنزير إلى الرجل، ومن الرجل إلى الخنزير، ومن الخنزير إلى الرجل مرة أُخرى، وقد اختلط عليها الأمر، فما عادت تُميز بين هؤلاء وهؤلاء!

نفس المقطع الأخير من ترجمة مكتبة الأسرة:

وتتطلع الكائنات في الخارج إليهم، من خنزير إلى إنسان، ومن إنسان إلى خنزير، ثم من خنزير إلى إنسان، ولكن أصبح من المستحيل القول مَن هو الإنسان، ومَن هو الخنزير.

الاستغراب الذي ظل يُلاحقني أثناء قراءة الرواية، أن كل ما أثاره الروائي العبقري، نراه رؤي العين في واقعنا الثوري المُتبدد بالطغيان، ومع ذلك، لا زال يتزلف الأدباء والمثقفين إلى الطغاة الظالمين! يساندونهم، ويشاركونهم كذبهم وضلالهم، ويندرجون معهم في غيهم وفسادهم، برغم ما عهدوه من أدب الثورات، واطلعوا عليه حتمًا، في مثل رواية مزرعة الحيوانات وغيرها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد