قد يبدو الموضوع غريبًا لدى البعض، في الوقت نفسه قد يكون غير مهم، لكنه ملفت للأنظار ويستحق وقفة صغيرة.

55

تسمع عن كونان، أو تعرف ناروتو، أو القناص… إلخ. نعم، انتشرت مسلسلات الأنمي تلك بين قطاع واسع من شباب الوطن العربي، بل وتعدت سن الشباب (فهناك متابعين من أعمار تتجاوز سن الـ30).

 

انتشار الأنمي الياباني لدى هذا القطاع الواسع له تفسيره، يذكرنا بالفترة التي شهدت طفرة انتشار الدراما التركية على يد (نور ومهند) و(سنوات الضياع) مثلاً.

 

لعلّ أهم الأسباب هو الهروب من ذلك الانحدار والهبوط الذي لحق بفنون السينما والتلفزيون الاعتيادية بالوطن العربي، خاصةً داخل مجتمع لديه تحفظاته وقيوده الأخلاقية، اصطدم بانطلاق لا محدود للحرية بعد فترة الربيع العربي.

نشأت أجيال عدة على مشاهدة الأفلام الغربية والأمريكية (بتنوع الاُطر المقدمة خلال تلك الأفلام من قصص واقعية أو أكشن أو مغامرات أو رومانسية)، أما الدراما التركية برغم تنوعها إلا أنها حظيت بمتابعة العائلات والسيدات بصورة أكبر (بسبب الصورة الأكثر رومانسيةً التي انطبعت في الأذهان)، النقطة التي تميز تلك الفنون، هي الاهتمام بتصوير كافة المعالم والأحداث بدقة وتفصيل، الاهتمام والإعجاب بأوروبا أو أمريكا.

 

عندما سئِـلت إحدى المتابِعات للدراما التركية عن سبب اهتمامها بمسلسلٍ ما أجابت مباشرة: البلد جميلة.

 

نعم، استطاعت تلك الفنون أن تقدم صورة شبه كاملة لدولها لتبهر المشاهد العربي, اضف لذلك الهرب من الانحدار الأليم لكافة صور الفن العربي.

 

إذًا ماذا عن اليابان؟

56

كدولة خرجت منتكسةً من حرب عالمية, ولم تكن ذات أي موارد، ارتأت اليابان أن تتجه لفن يقدم كافة أشكال الثقافة بأقل التكاليف، لم يكن لدى اليابان هذا الاقتناع بالسينما الواقعية، بالإضافة لضعف الاستثمار وقتها في تلك الصناعة، أيضًا كانت الدولة مهتمة بتنشئة أطفالها لتربية جيل جديد يحمل راية بلدهم لمستقبل أفضل، ملقيًا وراء ظهره كارثة الهزيمة النووية، اذاً فهي الرسوم المتحركة موجهةً لأطفالنا.

 

تمكنت اليابان من أن تثبت أقدامها في عالم الأنمي منافسةً بذلك وبقوة مسلسلات وأفلام “ديزني” و”وارنر براذرز” اللتان احتكرتا عالم الرسوم المتحركة لفترات طويلة.

 

نجاح الأنمي الياباني مقارنةً بأفلام هوليوود أو ديزني، ومقارنةً بالدراما التركية يعزى إلى هذا القبول لأي شكل من أشكال التجديد في هذا الفن الياباني لدى ذلك القطاع من متابعيه.

 

1. نعم أفلام هوليوود في ازدياد وتجديد، لكن قد يصيبك الملل من متابعة نفس الإطار الفيلمي فقط بممثلين آخرين أو أماكن شبه مختلفة، مجرد اختلاف في الوجوه، لكن تتشابه حركات الأكروبات والانفجارات والتخطيطات… إلخ.

 

2. الدراما التركية حصرت نفسها داخل القصص الرومانسية والكيدية، ولربما احتفظت بقاعدة المتابعين لها من النساء وبعض الشباب.

 

أما الأنمي، فلديه ذلك القطاع الواسع من الأطفال أو الشباب أو الأكبر سنًّا (وفي ازدياد).

ستشاهد شيئًا مثل كود جيَس ثم قد تشاهد ما يشبهه في الصراعات والأحداث، لكن الشخصيات بالتأكيد مختلفة، المكان والزمان لربما مختلفين، المهم أن متابع هذا سيتابع ذلك بنفس الشغف.

 

ما يقدمه الأنمي الياباني ليس مجرد هذا المسلسل أو ذاك الفيلم بشخصيات مرسومة، لكن هذا الاهتمام بظروف ومحيط المشهد أو الحدث، حيث تجد تصويرًا دقيقًا لمعالم المنطقة مستضيفة المشهد، المباني وشوارع طوكيو، وحدائق أوساكا، ومعابد كيوتو… إلخ.

 

بالتأكيد، فاليابان كدولة ارتقت بنفسها في مصاف الدول الكبرى، وكسبت احترام الكثيرين حول العالم، تعتمد على البنية التحتية لمدنها وثقافة شعبها لتقديم هذه الصورة الشيقة لنفسها بالأنمي، اضف إلى ذلك القصة، تجد قصةً هادفة وشيقة تجذبك إلى المسلسل، بل في أسوأ الظروف أو أسخفها إذا ما قاربت القصة نظائر لها في هوليوود أو السينما العربية، ستجد أن ترتيب الأحداث وأماكنها وشخصياتها قد تعوض النقص.

ونحن في غنى عن ذكر الدعم الذي تقدمه الدولة لهذا المجال (الهادف)، وغيرها من مؤسسات الإعلام الرائدة هناك، لكن الأهم هو فتح المجال لشباب المصممين والرسامين لتقديم جهودهم في هذا المجال.

 

أيضًا التفاني في إخراج هذا العمل أو ذاك للمشاهِد بصورة مُرضية تعكس جزءًا من ثقافة البلد في ذلك الإطار.

 

المحصلة بعد كل ذلك هو النجاح الذي سيلاقيه هذا العمل معتمدًا على اِتقان قصته وأحداثه، ومعتمدًا على تلك القاعدة الواسعة من متابعي هذا الفن بشكل كبير.

 

وماذا نستفيد؟

 

60

 

“في أواخر 2008، قررت حكومة طوكيو وضع حجر الأساس لبدأ بناء برج السكاي-تري كبرج إذاعة واتصالات جديد بأحدث التقنيات، بديلاً لبرج طوكيو الأحمر. كان نجم البرج الأحمر بدأ في الأفول تكنولوجيًّا وعمليًّا، وحتى سياحيًّا، وقتها قررت المؤسسات أن تقدم الفيلم الـ 13 للمحقق كونان (عُرض في أبريل 2009)، وتحت رعاية Nippon tv.) Toho Co. ,TMS Ent.).

 

قررت أن تشرك البرج الأحمر داخل الأحداث بشكل محوري (يمكنك اعتباره كـ فيلم اعتزال للبرج الذي طالما كان محورًا لكثير من حلقات الأنمي الياباني عامةً، وكونان خاصةً)، النتيجة: نجاح باهر للفيلم، وإقبال كبير من العائلات والشباب على الفيلم، أعلى إيرادات في موسمه، كل هذا فقط؟ لا، تجاوز الأمر للنجاح السياحي، ففي السنة التي تلت عرض الفيلم ازدادت تذاكر زيارة البرج 600 ألف تذكرة إضافية (ما يقرب من 30% زيادة) بين يابانيين وسائحين!!”

في مصر مثلاً، أعادت ثورة يناير لكوبري قصر النيل بعضًا من بريقه الموجود في الذاكرة، أصبحت تشاهد وتقرأ في مواقع التواصل الاجتماعي كثيرين ممن ذهبوا أو أخذوا صورًا لأنفسهم بجانب معالم هذا الكوبري، لكن تفاجئك السينما بأحد أفلامها المنحطّة من إنتاج شخص معروف، تم تصوير أحد مشاهده حول الكوبري ليُدهش سكان القاهرة بعدد من الشباب خرج مباشرة بعد مشاهدته مقلدًا نفس المشهد بالرقصات وكافة الأسلحة البيضاء التي ظهرت في الفيلم!! (مقارنة مؤسفة )

 

الحقيقة، لدينا في مصر وفي دول عربية أخرى سابقة في هذا المجال (بكار، سندباد، دمتم سالمين، وغيرهم)، لكن كان أهم ما يواجههم الاِمكانيات وبعض الدقة، حاليًا مثلاً تجد في الإمارات مسلسل كـ(توركايزر) له نصيب من تكثيف الجهود والإمكانيات، تلك هي النقطة، فهذا المجال دخل معترك التنافس، بل ومنافس قوي للسينما الواقعية، ونجحت اليابان في تثبيته لدى قاعدة عريضة من المشاهدين، وعليه ربما وجب أن يتم الاهتمام بهذا المجال للارتقاء بمستوى وفكر الأطفال والشباب، وذلك بتوجيه قصص فنية هادفة تنافس مثيلاتها، وتعالج ذلك الانحدار والقصور في السينما والتليفزيون. وذلك بشكل فني له متابعيه ويحظى بقبول كبير

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد