رغم اصطفاف اليابان في مقدمة الدول التي وظفت الواقع للاستفادة القصوى منه، إلا أن أول احتكاك بالأدب والثقافة اليابانية سيجعلك تدرك فورًا الحقيقة الأكبر هناك. هذه دولة لازالت تعيش بالمجاز.

 

واحدة من تلك المآثر التي نحسبها لهذا الكوكب الصغير، أنه تمسك بشرقيته وروحانيته رغم طغيان مادة التكنولوجيا بين أركانه. فجعل للخيال والميتافيزيقيا صناعات قائمة بحد ذاتها، وربما كان أهمها صناعات الأنيمي (أفلام الرسوم المتحركة) والمانجا (القصص المصورة)، والتي وظفها اليابانيون بقدر جعلها تقفز من مجرد وسائل ترفيه، إلى أن تصبح حوامل كبرى للثقافة اليابانية في العصر الحديث.

 

بدأت الصناعة في اليابان في بدايات القرن العشرين مع بدايات ظهور الرسوم المتحركة حول العالم ثم في خمسينيات نفس القرن ظهر الرسام أسامو تازوكي ليصبغ هذه الصناعة بصبغة يابانية خاصة في الرسم والإخراج استطاع من خلالها إضفاء الخصوصية اليابانية على هذه الصناعة الغربية بالأساس.

 

مع ازدياد شعبية الأنيمي في الثمانينيات والتسعينيات واجتذابها طبقات عديدة من المجتمع الياباني حيث لم تعد مقصورة على الأطفال فقط، أصبح الكتاب والرسامون والمنتجون أكثر ميلًا إلى تحميله بأفكار وفلسفات وأسئلة وصراعات أكثر عمقًا تناسب كافة المستويات العمرية والفكرية.

 

وفي اليابان وحدها، لا تتعجب إطلاقًا إن اكتشفت كيف توغل حجم هذه الصناعة حتى شكل 40% من حجم صناعة الترفيه هناك. ولا تتعجب أيضًا إن رأيت صراع شركات واستديوهات ورؤوس أموال ضخمة هناك، وحول ماذا؟ ربما تظن أنه حول رسوم على ورق. ولكن احذر، ففي حضرة اليابان، هذه الرسوم وصلت من التطور حتى صارت لها أبعاد أخرى، لربما يقبع في أبعدها الترفيه نفسه.

 

والأنيمي وإن كان فنًا يابانيًا خاصًا معدًا بالأساس للاستهلاك المحلي إلا أنه أصبح ذا شعبية عالمية وتأثير ثقافي متجاوز لحدود الجزر اليابانية وأصبحت نادرًا ما تجد أحدًا من جيل التسعينيات وما بعدها حول العالم أفلت من التأثير الثقافي لهذا الفن.

 

في السطور القادمة، نحاول سبر أغوار بعض ملامح تلك الصناعة اليابانية، عبر أربع تجارب لمسلسلات (أنيمي) مشهورة، حملت من الأفكار والفلسفات قدرًا لا نبالغ إن قلنا، لم تحمل أغلبه أفلام سينمائية بعد. فالخيال هنا جامح، والصناع هم رواد مادة التكنولوجيا، فلا تتوقع نتيجة أقل مما ستقرأه في السطور التالية.

 

 

 

“إنك لا تستطيع تغيير العالم برفضه ولكن بقبوله” علي عزت بيجوفيتش

 

 

 

هذه العبارة الاستثنائية هي المحور الذي تدور حوله قصة المسلسل الشهير “ناروتو”.

 

ملحمة متواصلة من الصراعات في عالم النينجا – المجازي – والذي خرج لتوه من حربين عظيمتين، محملًا بالألم والحطام والثأر المتبادل. في إسقاط واضح للحروب العالمية في العالم الحقيقي. حيث شكل القوة والسلطة وتوزيعها لا يختلف أيضًا عن العالم الواقعي. فهناك خمس دول عظمى تحتكر شكلًا خاصًا من الأسلحة الاسثتنائية لضمان توازن القوى بين هذه الدول.

 

في هذا العالم تتولد الدراما وتتطور، تتفرع حينًا وتعاود التمركز حينًا. ومحورها الدائم هو شخصية البطل الذي قدر له أن يحمل جزءًا كبيرًا من ألم هذا العالم، ولكنه يتعامل معه بسمو يمنعه عن الكره وعن الثأر. ووسيلته في ذلك هو تطويره المستمر لذاته وقدراته ومحاولته المستمرة لنيل الاعتراف في عالم وجد نفسه مرفوضًا فيه.

 

يقابل البطل في مسيرته خصومًا ولدوا من نفس الألم. ولكنهم – على العكس – قد قرروا أن يحولوا ألمهم لقوة ترفض الواقع وتسعى لتدميره واستبداله، ولا يدرون أنها في الواقع تدفعهم لتوليد المزيد من الألم والمزيد من الثأر والدمار.

 

وفي سبيل هذا الصراع بين الطريقين، تُسكب الدماء وتُشحذ الهمم وتُقوى الروابط وتُطلب القيم، تموت شخصيات لتولد أخرى، تتبدل أرواح من الخير إلى الشر ومن الشر إلى الخير. حتى النهاية في ملحمة لا تقل روعة عن تلك الملاحم اليونانية أو الإسلامية أو الغربية القديمة. ولكن أهم ما يميزها أنها تمثل الروح الخالصة لليابان بعد الحرب العالمية الثانية وطريقة نظرتها للعالم وتفاعلها معه.

 

سلطة الحق أم سلطة القوة؟ سؤال يطرحه المسلسل الشهير “كود جياس”

 

يجد ابن الإمبراطور البريطاني الذي استطاع توسيع إمبراطوريته لتشمل معظم العالم في خضم صراع عائلي على السلطة، فقد على إثره أمه وبيته ووجد نفسه منفيًا في اليابان مع أخته الصغرى التي فقدت بصرها وقدرتها على الحركة وهو مضطر لإخفاء هويته حتى لا يجده إخوته أو منافسوه على العرش. حيث تتلخص نظرية الإمبراطور في أن على أبنائه أن يخوضوا صراعًا فيما بينهم ليثبتوا أحقيتهم في العرش لأن السلطة تمنح فقط للقوي القادر على الانتصار.

يضطر البطل لخوض هذا الصراع ليحمي أخته، وينتقم من قاتل أمه، ويستعيد اسمه وأحقيته في العرش. وهنا تطرح الحبكة سؤالًا آخر ينافس السؤال الأول في مركزيته هو مدى التنازل المبادئي الذي يجب على المرء أن يقدمه ليصل إلى أهدافه المشروعة.

 

يخوض البطل في القتل والدماء والصراع وتتلوث مبادئه بأدران الواقع، ويجد نفسه وقد انطلق من أهداف مشروعة، إلا وقد ارتكب الفظائع ومارس القتل والاحتيال والخداع حتى أصبح نسخة من أبيه الإمبراطور.

 

هل من عودة إذًا وهل هناك طريق غير الذي اتخذه؟! تابع بنفسك لتعرف كيف يجيب عن هذه الأسئلة.

 

كيف نشأت نظريات السلطة والاقتصاد والأمن وغيرها؟

 


 

يحاول مسلسل (log horizon) الإجابة عن هذا السؤال في سرد جميل، عن قصة مجموعة من لاعبي ألعاب “الأون لاين” وجدوا أنفسهم محبوسين في العالم الافتراضي الذي كانوا يلعبون فيه.

 

ومع الوقت وعدم قدرتهم على الخروج من هذا العالم، تنشأ الحاجة لتنظيم أنفسهم والحفاظ على الأمن فيما بينهم. ثم تنشأ حاجتهم لإنشاء قوانين وأسسًا تقوم عليها علاقاتهم الاقتصادية وعلاقاتهم مع سكان العالم الأصليين ومع مجتمعات اللاعبين المجاورة لهم، وصولًا لحاجتهم لإنشاء جيش يحمي مصالحهم.

 

لا يتغافل هذا المسلسل أيضًا عن الفروق الطبقية بين اللاعبين سواء في القوة أو الثروة، وعن تأثيراتها في شكل أدوات السلطة والتنظيم التي يتبعونها.

 

يعيب المسلسل فقط أنه يغرق أحيانًا في دراما طفولية لا تناسب سرديته الكبرى، لكنه بالتأكيد مسلسل قادر على التأثير في الوعي السياسي لمتابعيه، وفي قدرتهم على فهم أسس النظريات السياسية والاجتماعية الواقعية.

 

المقاومة العنيفة أم التغيير من الداخل؟

 

 

سؤال يطرحه مسلسل (أجنحة الجاندام) الذي يحكي قصة الاستبداد الذي تمارسه حكومة الأرض على سكان القرى الفضائية وعلى سكان الأرض أنفسهم، ممن رفضوا مشروعها ومشروعيتها معًا.

 

يُلقي المسلسل الضوء على الألاعيب السياسية التي يمارسها أصحاب الثروة والسلطة، وكيف يستغلون الحروب لتنمية ثروتهم ومكانتهم. وفي خضم كل ذلك، يطرح لك ثلاث مسارات للتغيير.

 

الأول، وهو مقاومة هذا الاستبداد بالقوة المسلحة. ولكن على هذه القوة أن تكون رشيدة فلا تستهدف إلا الأهداف المؤثرة وتعوض النقص الكمي بالتفوق النوعي. يتسامى أبطال المسلسل الذين سلكوا هذا الطريق عن ممارسة الألاعيب السياسية أو الخوض فيها، ويحتفظون بمنظومة مبادئية صلبة لا تتغير مهما تغيرت الظروف سواء ضدهم أو معهم.

 

الثاني، وهو التغيير من الداخل بالتماهي مع النظام ومجاراته ومحاولة الوصول لرأس السلطة فيه. ولا يتغافل المسلسل عن خطر هذا الطريق على الذات ومبادئها، وكيف يقود سالكيه إلى التغير والتبدل حتى يعادوا أهدافهم التي انطلقوا منها.

 

أما الثالث، فهو الطريق المؤمن بالحلول السلمية التقليدية كالحوار والسلام والتعايش.

يعرض المسلسل مآلات هذه الطرق وتداخلاتها وتقاطعاتها ومدى نجاعتها، في حبكة لا تخلو من الدراما والخيال والمواقف الإنسانية والعاطفية.

 

هذا غيض من فيض كثير من مسلسلات “الأنيمي” التي تحمل أفكارًا ونظريات سياسية واجتماعية تستحق أن تحوز على متابعة المهتمين بالثقافة والشأن العام، مثلها مثل الأدب والسينما باعتبارها قوالب فنية قادرة على طرح الأسئلة الكبرى في حياة الإنسان ومحاولة الإجابة عليها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد