للعديد من الأسباب، في مقدمتها الموقف التركي من قضايا المنطقة وخصوصًا الأزمة السورية، تعرضت تركيا مؤخرًا لعدة اعتداءات إرهابية، مثل تفجيرات سوروج ودياربكر والهجومين الانتحاريين في كل من أنقرة وإسطنبول، بيد أن تفجير أنقرة الأخير يبدو مختلفًا جدًّا عن كل سابقيه.

ففي المقام الأول، ربما هو التفجير الأول في تاريخ الجمهورية التركية الذي يستهدف منطقة بهذه الحساسية والأهمية والرمزية، حيث وقع الاعتداء في قلب العاصمة أنقرة، في مربع يضم مقر البرلمان، ورئاسة الأركان التركية، وعلى مقربة من قيادة القوات الجوية، فضلًا عن عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، ولذلك يطلق على هذه المنطقة اسم “حي الدولة”.

صحيح أن استهداف المؤسسة العسكرية يقف وراءه تقليديًّا حزب العمال الكردستاني، بيد أن طريقة الهجوم عبر سيارة ملغمة أو “مفخخة” أوحت في البداية بأن العمل قد يكون من فعل تنظيم الدولة- داعش باعتبار أن “المفخخات” أصبحت بصمة شبه حصرية لهم، بعد أن امتنع حزب العمال الكردستاني منذ فترة عن هذا النوع من العمليات داخل تركيا، فضلًا عن اتهام التنظيم بجميع عمليات التفجير والاعتداءات المذكورة أعلاه، إما بمفرده أو بالتعاون مع منظمات “إرهابية” أخرى.

بيد أن الحكومة التركية اتهمت قوات حماية الشعب، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي السوري)، بالمسؤولية عن التفجير، معلنة عن اسم منفذه (سوري من الحسكة اسمه صالح نجار)، وعن امتلاكها أدلة تثبت تورط المليشيا الكردية بالتفجير. بينما، من ناحية أخرى، نفى حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني أي صلة لهما بالاعتداء، بل أعلن صالح مسلم -زعيم الأول- بأن حزبه “لا يعتبر تركيا عدوًا” حتى يستهدفها.

لا شك أن من مصلحة تركيا أن تتهم الفصائل الكردية المسلحة بالوقوف وراء التفجير بدل تنظيم الدولة، لاعتبارات تتعلق بحالة التصعيد مع الكردستاني في جنوب البلاد الشرقي وتمدد المشروع الكردي في الشمال السوري، بيد أن الأدلة التي طرحت -وبالأسماء- تجعل “الفرضية الكردية” واردة جدًّا، بحيث يصبح أسلوب المفخخات مقصودًا بذاته ليشابه أسلوب داعش ويبعد التهمة عن المقاتلين الأكراد، رغم وصول الرسالة.

وعليه، فإن المشهد يحتاج للغوص أكثر فيما وراء هذا التفجير، وما بين أسطره من شيفرات ورمزيات ورسائل متضمنة، في حال صحت الرواية التركية بمسؤولية الفصائل الكردية المسلحة (الكردستاني والقوات) عن التفجير، أبعد من مجرد رسائل الإرهاب والتهديد والرد على تركيا، وأهمها:

  • خصوصية وحساسية المنطقة، إضافة إلى استهداف مؤسسات عسكرية ومؤسسات حكومية، تشير إلى احتمالية عالية لمشاركة أجهزة استخباراتية خارجية في التفجير، فضلًا عن تسهيلات أو مساعدة داخلية محتملة، وهو أمر أخطر بكثير من أي اعتداء إرهابي “اعتيادي”. وبالتالي فهو يحمل رسائل سياسية متعلقة بمجمل المواقف التركية في سياستها الخارجية، وليس فقط استهدافها للفصائل الكردية في ريف حلب.
  • سيكون هذا الهجوم -إن صحت المسؤولية الكردية عنه- مرحلة جديدة في صراع حزب العمال مع الحكومة التركية، بعودته لهذا النوع من العمليات، تعميقًا وتعقيدًا للصراع وتصعيبًا لحل المشكلة الكردية من الأساس.
  • تفتح المسؤولية المشتركة المفترضة للعمال الكردستاني (من أكراد تركيا)، وقوات الحماية (من أكراد سوريا) الباب واسعًا على مرحلة جديدة من المشكلة الكردية في المنطقة لتصبح ملفًا إقليميًّا واحدًا مرة أخرى، فاتحة الباب على تدويلها. وهذا يعني -مرة أخرى- صعوبة/ استحالة الحل بسبب التدخلات الخارجية، إضافة لإضعاف الأرضية التي تعمل فوقها تجربة العدالة والتنمية التركية.
  • الاستهداف المباشر لمؤسسات الجيش ولمقر القوات الجوية تحديدًا يحمل رسالة مزدوجة للمؤسسة العسكرية التركية، المسؤولة الأولى عن قصف مواقع الكردستاني في جبال قنديل في العراق، والمتحفظة فيما يبدو على عملية عسكرية واسعة النطاق في سوريا. الأمر الذي يطرح التساؤل الوجيه عن طبيعة ومستوى وحدود الرد التركي، أبعد من الاعتقالات الداخلية وقصف معسكرات الحزب في العراق، أي عن الرد في الداخل السوري!!
  • كان من اللافت أن الرئيس التركي أردوغان تحدث عن مواجهة تركيا “للاعتداءات عليها داخل وخارج حدودنا”، واحتفاظ تركيا بحق الرد “في كل مكان”.
  • كما يجب ألا نغفل استعمال أردوغان صيغة “الحق المشروع بالدفاع عن النفس” وليس “مكافحة الإرهاب” في كلامه، وهي صيغة تستخدم في العادة في مواجهة دول أو أخطار خارجية وليس للرد على تنظيمات إرهابية، وهو ما يوحي -إضافة للكثير من الإشارات الأخرى- بتفكير/ اضطرار صانع القرار التركي بالرد في الداخل السوري، سيما وأن داوود أوغلو أيضًا أكد على “مسؤولية النظام السوري عن التفجير” باعتبار أن قوات الحماية “بيدق شطرنج في يده”.

ربما لا يحتمل سياق هذا المقال الاستفاضة في الحديث حول الرد/ الردود التركية المتوقعة، وهو ما تناولته وسأتناوله في مقالات أخرى، بيد أن أي سيناريو تركي محتمل (استمرار القصف المدفعي، منطقة آمنة “مصغرة”، أو غير ذلك) في وجه قوات الحماية قد يفتح الباب على تطورين خطيرين:

الأول، تدويل المشكلة الكردية في تركيا ودمجها بشكل غير مسبوق بآفاق حل الأزمة السورية، وهو كما سبق باب واسع للتدخلات الخارجية التي ستصعّب أو حتى تمنع الحل الداخلي المحلي الممكن لصالح سيناريوهات قد تؤدي في نهاية المطاف إلى طرح فكرة الانفصال والحكم الذاتي لأكراد تركيا -بعد أن كانوا قد تخلوا عنها– أسوة بأكراد العراق وسوريا.

الثاني، تدهور العلاقات التركية- الأمريكية وتوترها بمستويات غير مسبوقة، بسبب استهداف أنقرة “لحلفاء واشنطن الجدد” في سوريا والمنطقة، واللاعبين المحليين في مواجهة تنظيم الدولة (ولو اسمًا)، بكل ما يحمله هذا التدهور من انعكاسات على العلاقات التركية- الأوروبية التي تحاول الخروج من الشرنقة، والتركية- شمال الأطلسية بالغة الحيوية بالنسبة لأنقرة في مواجهة الدب الروسي، بل حتى على الشؤون التركية الداخلية.

في المحصلة، ربما ما زلنا لم نرَ إلا الجزء الظاهر فقط من جبل الجليد الضخم فيما يتعلق بالتفجير الأخير في أنقرة، وقد تكون كرة الثلج (أو اللهب) قد بدأت فعلًا بالتدحرج نحو الهاوية بسرعة يصعب معها الاستدراك، وهو ما يضع صانع القرار التركي أمام مسؤولية تاريخية في مرحلة فارقة جدًّا لاتخاذ القرارات الصحيحة -وهي القرارت الصعبة في الغالب- قبل أن يفوت الأوان.

حفظ الله تركيا وسوريا وجميع شعوب المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد