لعل موقف الحكومة التركية الأخير من إعادة العلاقات مع مصر أصاب بعض من يُطلقون على أنفسهم سياسيين بالذعر وعبروا عن تفاجئهم الشديد من هذا الموقف!

في واقع الأمر وقبل الحديث عن حيثيات وبعيدًا عن تباين المواقف وتكالب القوى الدولية والإقليمية على تركيا فمن المسلمات أنه من حق النظام التركي كأي نظام حاكم اتخاذ ما يلزم لخدمة مصالح بلاده وفق ما يراه، كونه نظامًا أتى وفق آليات ديموقراطية ويعمل في إطارها ويستمد قوته من شعبه، لذلك فإنه يعمل على خدمة بلاده بشكل حقيقي.

من خلال مواقفها الإنسانية مع كل الشعوب المظلومة ومساندتها لقضايا وجودية بالنسبة للشعوب العربية والإسلامية، اكتسبت تركيا مكانة كبيرة عند كل مؤمن بحقوق الإنسان والشعوب. ودون الخوض في تفصيلات غير مفيدة يحاول المتربصون بتركيا شيطنتها حول الأسباب الحقيقية لهذه المواقف لأنه في النهاية لا توجد دولة يمكن من خلال مواقفها أن تُقارن بمواقف تركيا ودفاعها عن قيم الإنسانية في شتى بقاع الأرض.

من تلك القضايا الأخلاقية التي ساندتها الدولة التركية قضية الانقلاب العسكري في مصر وقطعها العلاقات مع نظام 3 يوليو (تموز) وعدم اعترافها بما ترتب على الإنقلاب من آثار وفي مقدمة ذلك عدم اعترافها بالسيسي رئيسًا لجمهورية مصر العربية وظلت على مدار ثلاث سنوات تُصرح في كل مناسبة شعبية أو رسمية أو دولية بأن الرئيس الشرعي لمصر هو الدكتور محمد مرسي.

عمل حزب العدالة والتنمية على فضح جرائم العسكر ومجازره بحق الشعب المصري وكان أول من استخدم شعار الإشارة بأربع أصابع كرمز لمجزرة رابعة العدوية هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأصبح شعارًا رسميًا يستخدمه كل متضامن مع ضحايا مجازر العسكر ورافضي حكمه الاستبدادي.

قدمت تركيا كل ما يمكن تقديمه لصالح نُصرة القضية المصرية وفتحت أراضيها للمطاردين وسمحت لهم للعمل السياسي وإدارة الثورة المصرية وعملت في بداية الأمر على تذليل كافة العقبات التي قد تعيق عمل ضيوفها على مدار الفترة المنصرمة ولم تلتفت لأي خسائر اقتصادية وتأثر حركة التجارة مع مصر نتيجة المقاطعة وانعكاساتها السلبية على علاقاتها ببعض الدول العربية صاحبة التأثير والتي دعمت الانقلاب العسكري مثل الإمارات والسعودية.

نستطيع من خلال ذلك قول أن تركيا قدمت ما لم تستطع أي دولة في العالم تقديمه ولو بالكلمة للقضية المصرية ولا يمكن فهم تصريحات رئيس الوزراء التركي علي يلدريم – من أن بلاده مستعده لإعادة العلاقات مع مصر من جديد وأنه لا توجد عقبات في سبيل ذلك – تخليًا عن قيمة دافع عنها النظام التركي لأن باب التخلي المُسبب هذا مفتوح على مصراعيه منذ شهور وتمثل في الصراعات داخل الصف المعارض للانقلاب وعدم قدرة من يديرون المشهد على تحقيق أي تقدم إطلاقًا بل وعدم صلاحيتهم لإدارة مصالح 500 شخص وليس دولة بحجم مصر، أي أن المرحلة الثورية انتهت.

لم تتخل تركيا عن مبدئ دافعت عنه رغم وقوفها على الفشل الحتمي وأنها لو فعلت ذلك فلا تُلام ولكنها ظلت على موقفها حتى تاريخ أشرنا إليه كثيرًا وهو تاريخ نهاية فترة حكم الدكتور محمد مرسي.

المنطق حالف من أيده ودعمه في السابق كونه جاء بانتخابات وعُزل بانقلاب لا نعترف به وأُبعد عن ممارسة اختصاصات عمله حتى انتهت فترته أما الآن فلا انتخابات أتت به ولا قوة ثورية فرضت إرادتها ومكنته من اختصاصاته لتعترف بشرعيته دول!

فيا أيها المنزعجون من الموقف التركي هل هناك دعم من الذي فرغ الثورة في نفوس من أشعلوها وأصاب الناس بالتعب واليأس وبدل سقف طموحاتنا من عيش حرية عدالة اجتماعية كرامة إنسانية إلى حكم براءة يبحث عنه سجين مظلوم!

كيف تم تنفيذ خطة الوصول لنقطة النهاية بالشكل الذي يريده صُناع الانقلاب ومالذي فُعل بكم أو فعلتموه لمواجهة هذا المخطط ومنكم المنظرون لنظرية معركة النفس الطويل وعامل الوقت يحدد المنتصر وكأننا فقط من نؤمن بهذه النظرية وأن النظام المصري بإمكانياته وداعميه يجهل ذلك؟

فالوقت دون رؤية واستراتيجية عمل يصب في صالح الخصوم والعبرة بالنتائج ولنا في الشارع لشاهدًا من ملايين هادرة إلى مئات محبطة.

مراكز القوى الحقيقية داخل الصف المناهض للانقلاب كانت جزءًا من الخطة ونفذت دورها كمراقب لأي نشاط أو تطور ثوري يمثل خطرًا على النظام ومواجهة أي مساعٍ للحصول على أداة لتصحيح المسار، وعملت أيضًا على إفشال الثوريين وأسندت إليهم المهام الفرعية دون تأهيل واحتفظت بالمهام الرئيسية لها وبالضغط تنازلت عن بعض صلاحياتها بشكل صوري وأظهرت من تنازلت لهم فشلة ونجحت ونجح مخطط صُناع الانقلاب!

إن كان من لوم  فلقادتنا من شارك فيهم في الخطة أو كان سببًا في قتل الحلم عند الناس بسوء الإدارة وانعدام الرؤية، راهنوا على النفس الطويل فكانت النتيجة واقعًا يهرب منه الحالمون بدولة كما تمناها معتقل وشهيد.

ومع نهاية هذه المرحلة نذكر أنفسنا باللهجة المصرية «إن غاب صاحب الفرح ماتلومش المعازيم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أنقرة
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد