«Here’s to the fools who dream, crazy as they may seem»

يقولون إن الحالمين يصنعون التاريخ؛ فهم مَن يقودون ثورات التغيير في كافة بقاع العالم، تجدهم في الصفوف الأمامية ينددون، يشجبون، تعلو أصواتهم عنان السماء سعيًا وراء التغيير، الحرية وقلب الأوضاع التي تجثم على قلوبهم وتعيق أحلامهم، لا يعرفون الفشل وفي قواميسهم لا توجد كلمة مستحيل، هؤلاء مَن لا يكتفون بمجرد الحلم مثل غيرهم فهذا أصلًا ما يُميزهم! فكلنا نحلم، كلنا نريد تغيير أوضاع نمقتها ونتمنى لو تغيرت، لكن القليل منا فقط مَن ينفضون غبار المستحيل من على أحلامهم ويتحلُّون بالشجاعة الكافية للقتال على ما يريدون، لا يهابون الفشل ويرحبون بالتحديات، يعلمون أن الفشل في معركة لا يعني خسارة الحرب لذا يحاولون مرارًا وتكرارًا مهما تكلف الأمر، يدعوهم البعض مجاذيب، مجانين ومتشبثين بالمستحيل، ولكنهم يتبعون شغفهم وفضولهم من أجل تحقيق أحلامهم ولا يرون سواها وعندما يحققونها سرعان ما تتحول نظرات كارهيهم إلى إعجاب وحسد! فللأحلام لذة لا ندركها سوى عندما نراها تتحقق أمام أعيننا!

«Will you please call me Anne? Anne with an E»

عليك الترحيب بآن «بالألف الممدودة» واحدة من هؤلاء الحالمين، بل ربما يصلح أكثر تلقيبها «بآن الخيالية زعيمة الحالمين»، صهباء بجسد نحيل ونمش متناثر على وجنتيها، ثرثارة لا تغلق فمها سوى في تلك اللحظات التي تخلد فيها للنوم، ولكنها متحدثة لبقة ما إن تفتح فمها حتى تجد شلالًا من المصطلحات المعقدة التي يجب عليك العودة إلى المعجم لتعرف معناها، فضولية للحد الذي إذا وُزع على بلدة بأكملها لكفاهم وفاض، تمتلك عينين جميلتين يغلب عليهما الحزن أحيانًا وكثيرًا ما تشع بهجة وحيوية! هي من ذلك النوع الذي يسرق الأعين منذ اللقاء الأول؛ إذ تُحدث جلبة غير مُنفرة أينما وجدت، قد تحبها لحد تصبح صديقتك المفضلة وقد تكرهها وتحقد عليها لتكون ألذ أعدائك، ولكنك في النهاية لن تستطع هزيمة ذلك الشعور الداخلي الذي يجبرك على احترامها والإعجاب بها مهما كانت مشاعرك تجاهها!

»أنت أمنية تحققت لم أعلم بأنني اتمناها»

الصدفة وحدها كانت السبب الرئيس الذي جمع الشقيقين «ماثيو وماريلا» «بآن»، إذ قرر الشقيقان تبني طفل ذكر ليساعدهما في أعمال المزرعة لتقدمهما في السن وصعوبة مباشرة كافة الأعمال بمفردهما فكان الحل في عكاز يافع يستندان عليه، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، حيث أرسل الملجأ لهما عن طريق الخطأ فتاة يتيمة صغيرة قضت فترة ليست بالقصيرة من عمرها تارة بين الملجأ، وتارة أخرى تتنقل بين منازل الأسر المختلفة، وفي حالتها تلك لن تعرف أيهما كان أكثر سوءًا! وبالرغم من محاولتهما في البداية لإعادتها إلى الملجأ إلا أنها نجحت في سرقة قلوبهما ليقررا الاحتفاظ بها كفرد من العائلة، ويتغير الوضع في النهاية من «خطأ عليهما إصلاحه» إلى «أمنية تحققت لم يعلما إنهما يتمناها»، إذ غيرت «آن» حياتهما و«جرين جيبلز» للأبد!

«حياتي مقبرة للآمال المدفونة»

المسلسل المأخوذ عن الرواية الكلاسيكية «Anne of green gables» للكاتبة الكندية لوسي مود مونتجمري والذي قررت شبكة CBC تحويله إلى عمل تليفزيوني عام 2017 وأنتجت ثلاثة مواسم منه، يصحبنا في رحلة بديعة ولكنها للأسف قصيرة نحو عالم «جرين جيبلز»، حيث لا وجود سوى للطبيعة الساحرة والمناظر البديعة ونسائم الهواء الصافية، ولكن بالرغم من كل تلك الجماليات، إلا إن البلدة يغلب عليها وعلى سكانها الصمت والروتين القاتل وأحيانًا الحزن!

هبطت «آن» على البلدة ليتغير معها كل شيء إذ يبدو أن الفتاة ذات الشعر الأحمر كانت الدافع الذي يحتاجه الجميع ليتغير أو كأنها أضفت لمسة سحرية على البلدة لتتحول من اللون الرمادي إلى علبة ألوان بألف لون!

صُدمت آن في البداية بعالم لم تعتاد عليه، إذ أمضت فترة ليست بالقصيرة من حياتها لا تعرف سوى القسوة والوحدة، لم تعرف للحب عنوانًا، بل كل مَن عبر طريقها تسبب في إيذائها، لم تتخذ صديقًا طوال حياتها سوى الكتب العابرة التي ساعدتها أن تحيا بصورة مختلفة، بل أنقذها خيالها النشط من أن تفقد عقلها أو تقرر إنهاء حياتها بصورة مأسوية، لم تلتقي والديها أبدًا ولم تذهب للمدرسة يومًا، ببساطة لم تمارس حياتها بالصورة الطبيعية التي يفترضها أن تحيا بها.

لذا لم يكن تقبلها أمرًا سهلًا على سكان البلدة، فكيف تتوقع أن يتقبل الجميع فتاة يتيمة أمضت حياتها رفقة أطفال الملاجئ، قاطعوها، لم يتقبلوا وجودها، حاربوها، ولكنهم في النهاية خضعوا للاستثنائية «آن» التي نجحت في التمرد على مآسيها وانكساراتها وأجبرت الجميع على التمرد على أوضاعهم القميئة مثلها!

حولت «آن» مسار كل شيء في جرين جيبلز من النقيض إلى النقيض! بدءًا من «ماثيو وماريلا» والتي كانت بمثابة القطعة الناقصة في حياتهما الروتينية إذ أضفت عليها جوًا دافئًا حنونًا، منحتهما سببًا أساسيًا للحياة، أنارت لهما طريقًا لم يعرفا بوجوده قط ومنحتهما مشاعر الأبوة والأمومة التي افتقداها حتى وإن لم يعلما بذلك!

ساعدت «كول» الوحيد، على اكتشاف مواهبه المدفونة، أرشدته نحو طريقًا كان يغفل وجوده، وأصبحت رفقته بعد أن لفظه الجميع، صادقت «ديانا الارستقراطية» ووجد كلًا منهن ضالته في الأخرى، بل تعلمن سويًا معنى الصداقة، الحب والجنون والرفقة، نجحت في تغيير الصورة السيئة عنها لدي رفيقتها في المدرسة وأصبحت صديقتهن المفضلة بعد أن كُن يتجنبن الحديث معها، بل أضحت لهن كمثل النافذة التي يطللن منها على العالم الخارجي، علمتهن أشياء ستظل ذكراها عالقة في نفوسهن وخضن رفقتها مغامرات لن تُنسى!

وجدت في «جيلبرت» كل ما تبحث عنه وما لا تعرف بوجوده! كانت له منافسة الدراسة الذكية والصديقة وأخيرًا الحبيبة التي سرقت قلبه وخطف هو قلبها من النظرة الأولى.

أنسة ستايسي، جيري، باش وزوجته، كاكويت وحتى اللصوص والقائمة تتسع للكثيرين.. فلم تكن «آن» مثل الغريب الذي جاء ورحل في صمت، إنما تركت بصمة وأثرًا واضحًا لن يُنسى على كل شخص وكل شيء!

«فنجان شاي جميل سيضع الأمور في نصابها الصحيح»

مثلما أنت بحاجة لكوب من الشاي الدافيء لتعدل مزاجك السيئ أحيانًا، أنت أيضًا بحاجة إلى مشاهدة مسلسل «Anne with an e» ليس فقط لتحسين مزاجك ولكن أيضًا للاستمتاع بتجربة استثنائية تُبكيك وتسعدك في آن واحد، تجربة لن تحظى بمثلها طوال حياتك!

فالدفء هو الشعور الأول الذي يتملك روحك في كل لحظة تشاهد بها المسلسل وينسيك الحياة بأكملها! الجو العام للمسلسل من المناظر الطبيعية الخلابة واللون الأخضر الذي يكسو الأراضي الواسعة يشعرك بالراحة والاسترخاء بينما الأزياء الراقية، الفساتين المنتفخة، القبعات الأنيقة، الرسائل الورقية، الشموع، المنازل العتيقة تشعر معها وكأنك سافرت إلى زمن بعيد تتمنى لو ولدت فيه!

علاقات الحب والصداقة الطفولية البريئة، بيت الشجرة ونادي القصة وتجمع الأصدقاء الذين بالرغم من اختلافهم إلا أن الحب والصداقة والشغف وراء الجديد كان الدافع ليبقوا معًا! الأنس والرفقة التي إن شعرت بغيابها عنك في الحياة الواقعية يعوضك المسلسل بجزء ولو بسيط منها، مفهوم السعادة والحزن الذي يبدو إنك على وشك إعادة اكتشافهما من جديد «فلا يمكنك معرفة الفرح إلا إن كنت قد عرفت الحزن»!

كل ذلك بجانب القدرات التمثيلية الهائلة لفريق التمثيل المميز والذي بالرغم من صِغر سن بعضهم وحداثة عملهم بمجال التمثيل، إلا إنهم أدوا أدوارهم بكفاءة عالية تنم عن موهبة مدفونة كانت تحتاج الفرصة وليس سواها لكي تنفجر وتبهر الجميع

ساهمت تلك العناصر في تكوين عمل درامي مميز سيبقى في الذاكرة طويلًا، وبالرغم من كون القصة الأصلية تبدو تقليدية إلى حد الملل خالية من الإثارة إلا أن المعالجة الدرامية للمسلسل أضفت جانبًا جديدًا ساهم في إثراء العمل وتحويله من رواية «طفولية» إلى عمل درامي ناضج ثري يضج بالقضايا والمناقشات من النسوية والتمييز العنصري وحرية الصحافة وغيرها من تلك القضايا الجدلية المسماة «بصخب العصر» ودون أن يقع في فخ الحشو والابتذال ومحاولة إقحام قضية على المشاهدين بالقوة، إنما كل شيء تم في إطار درامي متسلسل ومنطقي لينجح في استمالة شبكة جمهور عريضة ويجبر الكثيرين على متابعته بل يقفز على رأس قائمة أعمالهم المفضلة أيضًا!

لذا فإن كنت واحدًا من عشاق المسلسل فهنيئًا لك على تلك التجربة الرائعة التي حتمًا لم تكتف بها لمرة واحدة، أما إن لم تشاهده بعد فأنتَ الخاسر الأكبر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد