لم تشهد العلاقات الأردنية الإسرائيلية حالة من الفتور والمشادات كما هي اليوم، إذ منذ توقيع اتفاقية «وادي عربة» والعلاقات الأردنية الإسرائيلية لا يعكر صفوها شيء، بالرغم من أنها لم تخل من محطات مفصلية كادت تودي بعملية التسوية الإستراتيجية التي رسمتها اتفاقية وادي عربة، كان جلها اعتداءات واختراقات إسرائيلية سافرة على السيادة الأردنية، تشكل تلك الاختراقات انتهاكات واضحة لبنود اتفاقية السلام، إذ لم تكترث إسرائيل بردات فعل الأردن إزاء تلك الانتهاكات طالما تحقق من خلالها مصالح إسرائيلية دون النظر لتأثيرها على سير العلاقة الإستراتيجية بالنسبة لجميع المحللين، إذ إن التنسيق الأمني والاستخباراتي التي تقدمه عمان كفيل بحمايتها من أي عمل مضاد اتجاهها في الضفة الغربية وإرثها التاريخي في القدس عن طريق الوصاية الهاشمية على المقدسات هناك، وما تعنيه تلك السلطة معنويًا.

إلا أنه كما يرى عدد من المتابعين أن الأردن لم يعد يرغب في أن يبقى بموضع دفاع كما كان في السابق، إذ بدأت عمان بانتهاج إستراتيجية جديدة مستمدة من روح اتفاقية وادي عربة وتفعيل عدد من بنودها، في محاولة لكسب مزيد من أوراق الضغط على القيادة السياسية الإسرائيلية الحالية، لعل أبرز تلك الخطوات التي تحذوها الأردن إنهاء عقد إيجار أراضي الباقورة والغمر وما تلاها من مناورات للجيش الأردني على الحدود معها في رسالة واضحة أن هناك تغيرًا أردنيا قد يحدث.

إسرائيل

الحكومة الإسرائيلية الجديدة

عرضت صحفية «هآريتس» في افتتاحيتها تصريحات الملك عبد الله ما هي تذكير إلا قوي اللهجة لنتنياهو وحكومته الائتلافية بأن خطوة الضم لن تمر دون كلفة باهظة وستشكل خطرًا على معاهدة السلام.
‏وتقول الصحيفة «أن اليمين الاسرائيلي لا يأبه بخطر الضم على السلام مع الأردن‬ بل يأمل الإطاحة بنظام الحكم الهاشمي وتحويل المملكة إلى وطن بديل».

التقديرات الإسرائيلية

هناك تقديرات إسرائيلية سائدة أن المواقف الفلسطينية والأردنية، حتى الآن، ليست كفيلة بمنع تنفيذ خطة الضم للضفة الغربية، ستبقى التصريحات الغاضبة، والبيانات العنيفة تتهافت على إسرائيل، وتتوالى التنديدات والتهديدات من مختلف المناطق والعواصم، لكنها في النهاية يمكن احتواؤها واستيعابها.

قال الدبلوماسي الإسرائيلي المتقاعد إيلان بيكر، الذي شارك في صياغة اتفاقية السلام مع الأردن، إن المملكة ليس لها أهلية قانونية لإلغاء الاتفاقية مع إسرائيل ما لم تخض حربًا معها.
وأوضح في وثيقة أصدرها «مركز القدس للشؤون الجمهور والدولة» في إسرائيل أن «علاقة السلام بين البلدين منصوص عليها في المادة 2 من معاهدة السلام، وتشمل الاعتراف المتبادل بالسيادة وسلامة الأراضي، والاستقلال السياسي لكل من الطرفين».
وأضاف: «معاهدة السلام ليس لها تاريخ انتهاء، ولا يمكن إلغاؤها إلا بعمل عدواني أو إعلان حرب من قبل أحد الطرفين، مما يعني إلغاء جوهر الاتفاق».
وتابع: «من المشكوك فيه إلى حد كبير أن للأردن أي مصلحة في اتخاذ مثل هذه الخطوة، خاصة وأن الضم في الضفة الغربية، وإن كان أحادي الجانب، فإنه لا يشكل عملًا عدوانيًا ضد سيادته أو سلامة أراضيه. علاوة على ذلك، بما أن الأردن حكمت الضفة الغربية منذ العام 1948 وحتى 1967 فإن اتفاقية السلام تنص صراحة على أنها لا تسري على الضفة الغربية».

الملك عبد الله الثاني

لم يكتف الملك عبد الله بتوجيه رسائل سرية إلى الحكومة الإسرائيلية محذرًا فيها من مغبة تنفيذ طموحاتها في ضم أجزاء من الضفة الغربية وأغوار الأردن.

بل أكد العاهل الأردني في تصريحات له بمجلة «دير شبيغل» الألمانية أن ما ستقدم عليه إسرائيل سيلقي بظلاله على العلاقات الأردنية الإسرائيلية وستؤثر على خطط السلام والقضاء على مسار حل الدولتين بشكل نهائي.

وأضاف أن الأردن لن يبقى في موضع المتفرج إزاء هذه الخطوات الإسرائيلية التي اعتبرها ستؤدي لا محالة إلى صدام مباشر مع الأردن قيادة وشعبًا.

الحكومة الأردنية

وكان قد صرح رئيس الوزراء عمر الرزاز قال: إن المملكة لن تقبل بالإجراءات الإسرائيلية الأحادية لضم أراض فلسطينية بالضفة الغربية المحتلة، «وسنكون مضطرين لإعادة النظر بالعلاقة مع إسرائيل».

ويشار ان وزير الخارجية أيمن الصفدي قال: «ضم الغور من قبل إسرائيل لن يمر من دون رد وسيكون له عواقب وخيمة على العلاقات الأردنية الإسرائيلية».

كما ذكر رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري في مقالة صحافية له أن على القيادة الأردنية إعادة تحرير مفاهيم «التسوية» و«السلام» كي لا يلدغ الأردن من الجحر مرتين، لمواجهة المخاطر المتصاعدة التي تحاصره، ودعا إلى إيقاف النهم الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين، والأطماع الواضحة أيضًا في بلادنا.

وأضاف علينا جميعًا الوقوف سدًا منيعًا، ويدًا واحدة، في مواجهة ما هو قادم من مشروع إسرائيلي بالغ الخطورة، هدفه تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، وجعله الوطن البديل لهم.

كما قال وزير العدل السابق الدكتور إبراهيم الجازي للجزيرة: إن ما تفعله إسرائيل في ضم أجزاء من الضفة وأغوار الأردن هو مساس في الأمن القومي الأردني ومحاولة لنسف حل الدولتين إلى الأبد، بل هي خطوات تحول بين وجود أي كيان فلسطيني محتمل في المستقبل.

ونوه أننا نشهد غطرسة إسرائيلية غير مسبوقة ودعمًا أمريكيًا لا متناهيًا لليمن المتطرف، وأكد أن الأردن لن يقف مكتوف الأيدي أمام هذه الخطوات.

وأن ما ستفعله إسرائيل من خلال هذه القرارات الجديدة مخالفة واضحة للمادة الثالثة من معاهدة السلام الإسرائيلية الفلسطينية المتعلقة بترسيم الحدود مع إسرائيل والأراضي الفلسطينية التابعة للسطلة المحتلة عام 67.

وأضاف أن الأردن يملك خيارات مهمة في حال أقدمت إسرائيل على ضم أراض في الضفة الغربية، وقد تصل إلى حد إلغاء معاهدة السلام.

كما أنه لم يستبعد أن يعمد الأردن على إيقاف عدد من بنود معاهدة السلام، وتقليص التبادل التجاري والاقتصادي بينها وبين إسرائيل، والعمل على تخفيض التنسيق الأمني والاستخباراتي بين الطرفين، مما يشكل تهديدًا على الأمن الإسرائيلي الذي يعيشه بفضل الجهود الأردنية على طول الشريط الحدودي بينهما، والذي يعد أطول شريط حدوي بين إسرائيل ودول الجوار.

آراء متابعين ومحللين

ويرى عدد من المحللين ان أسرع خطوة عملية يمكن أن يتخذها الأردن في هذا الخصوص هو إلغاء اتفاقية الغاز التي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الشعبية الأردنية، ليشعر الملك والحكومة إسرائيل وحاضنته الشعبية على حد سواء بجدية تصريحات كل منهما وكسب الزخم الشعبي الذي فقدته في الآونة الأخيرة.

لكنهم لم يجدوا حتى اللحظة من الجهات الأردنية الرسمية أية خطوات فعلية تجاه الضم، وهذا يثير مخاوف شعبية من أن موقف الأردن الرسمي، بالرغم من صدق تصريحاته وغضبه الشديد، إلا أن هذا أقصى ما سيقدم عليه من تصعيد. مما يفسره البعض على أنها راضية بالنتيجة المتوقعة من عملية الضم أو مشاركة بالنتيجة ضمنًا، وهذا لا يتناقض ألبتة مع توجهاتها العلنية والرسمية التي تدلي بها على وسائل الإعلام.

الخلاصة

لربما الحل الوحيد لإنقاذ الأردن من صفقة القرن وخطوات ضمّ الأغوار التي تعني بطبيعة الحال الوطن البديل والكونفدرالية، هي تفعيل المقاومة الشعبية الفلسطينية والأردنية وتخفيف القيود عليها، لتجابه الأطماع المتزايدة في الأردن ودرء المخاوف الكامنة لدى الشعب الأردني من تغيير ديمغرافية وطنه واللعب فيه، والتفرغ للعمل السياسي والدبلوماسي الداعم لموقف الأردن، وكسب المزيد من الزخم أوروبيًا التي لديها موقف مشابه من عملية الضم محليًا ودوليًا، حيث إن تشكيل أحلاف جديدة للأردن وتوسيع علاقاتها وتجديدها أصبح واجبًا عليها للخروج من هذا المأزق الوجودي التي تخوضه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد