تمر 10 سنوات على اندلاع الشرارة الأولى للثورة التونسية 17 ديسمبر 2010. نقف بعد مرور عقد كامل على انبعاث جديد للإنسان وللدولة لنقيِّم ونرصد حصيلة عشرية كاملة. في الحقيقة لن نجد حصيلة اقتصادية أو إصلاحات اجتماعية بقدر ما يمكن الحديث عن مؤسسات ديمقراطية تشتغل في مناخات من الحرية لكن يعوزها الاستقرار والإنجاز.

في هذه الذكرى نجد أنفسنا أمام حالة من الاحتراب والخصومة التي تتفاقم وتتضاعف كل يوم بين من هم من المفترض أن يكونوا يدًا واحدة لترسيخ مبادئ الديمقراطية وخلق مناخات سياسية ملائمة للإنجاز. لكن هذه القوى السياسية التي كانت جزءًا من النضال ضد الاستبداد وانتصرت بوحدتها، تُفرِّقهم اليوم أصوات الشعبويين وتُغريهم المعارك الشخصية والتناحر السياسي الدائم. لم تدرك هذه القوى أن المبادئ التي جاءت بها الثورة ومناخات الحرية لا تُطلب لذاتها، إنما هي منطلقات أساسية لتحقيق إصلاحات اقتصادية، وخلق منوال تنموي جديد يقلِّص من مؤشرات البطالة والفقر والعجز الاقتصادي، ويدفع نحو تحقيق عدالة اجتماعية تضمن حق المواطن في عيش كريم وتحفظ كرامته.

حَملت نتائج انتخابات 2019 إشارات ورسائل لهذه الطبقة السياسية مفادها أن الشرعية موزعة بينكم بأقدار متقاربة جدًّا، وأن الحكم لا بد أن يكون مشتركًا بينكم، وأن لا فضل لحزب أو تيار على آخر، نحن نجدد فيكم الثقة لكن شريطة أن يكون الحكم موزعًا على أكبر دائرة منكم. اختار الشعب أن تكون المسؤولية موزعة على أكبر قدر ممكن من الطبقة السياسية – وأساسًا القوى المحسوبة على الثورة وعلى المسار الديمقراطي – وأن لا مجال للتنافر وإهدار الزمن السياسي. لم تلتقط هذه القوى الإشارة وانزلقت في الحسابات السياسية الضيقة على حساب المسار برُمَّته ونجحت قوى المنظومة القديمة المتمثلة أساسًا في الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسى في جر جزء من هذه القوى إلى مربعات التطاحن والسب والشتم، وتمكنت من التوحد مع جزء آخر تحت عناوين خاطئة طمعًا في ملاحقة الأوهام وشطف السراب. تشكلت اليوم هذه المشهدية بتوتراتها وتجاذباتها بعد سنة على الانتخابات و10 سنوات على الثورة.

وككل مرة تتعالى أصوات الأدعياء والعابثين الذين افتكَّت منهم الثورة مهامهم، وحرمتهم من الاستمرار في الاسترزاق وممارسة الزبونية، وتجديد البيعة الدائمة للأنظمة الاستبدادية، تتعالى أصواتهم داعية لانقلاب عسكري على الشرعية بتعلَّة ضعف هذه النخبة السياسية وانغماسها في المعارك الثانوية على حساب مصلحة البلاد والشعب. قد نتفق مع هؤلاء في جزء من التشخيص لكن لا نتفق حتمًا في الحلول التي غالبًا ما تعبِّر عن منظومة تفكير سياسي منبثق عن رحم الاستبداد والإقصاء.

واليوم تُتاح لنا فرصة للتذكير والتذكُّر، الثورة جاءت بمبادئ عامة وحَّدت الناس وألهمتهم فأسقطوا النظام، لكنها حافظت على مؤسسات الدولة، وهذا مكسب أساسي يراد العبث به وسدُّ ما تبقى من مداخل للإصلاح؛ إذ لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة وإنجاز اقتصادي بدون مؤسسات ديمقراطية ومستقرة، باختصار لا يمكن الحديث عن سياسات إصلاحية ومستقبل بدون مؤسسات.

إن المعركة اليوم هي معركة استقرار سياسي ومجتمعي، لا نحتاج أكثر من ذلك حتى ننقذ البلاد من شبح الإفلاس والجوع، لذلك من غير المنطقي أن نُفرِّط في الحد الأدنى الذي سيوفر مناخات ملائمة للإنجاز، ونمر لمراجعة النظام السياسي في سياق تجاذب ومغالبة لن نجني منه سوى تضييع مزيد من الوقت والفرص. ما يجب أن نفهمه أن مسؤولية آلام الناس وأوجاعهم موزعة بأقدار بين جميع الطيف السياسي، وهي أساسًا تركة منظومة قديمة لم تخلِّف سوى الخراب المغلَّف ببعض المساحيق. وبناء وتأسيسًا على ما سبق فتحميل المسؤوليات في إطار مزايدات سياسية وحسابات ضيقة لن يؤدي إلا لمزيد من غرق شعب المواطنين في الفقر والبطالة والخصاصة، مع تأكيد ضرورة المحاسبة والرقابة الدائمة، لكن في سياق إرادة حقيقية للإصلاح وتقييم موضوعي خارج إطار الخصومة السياسية وتسجيل النقاط.

ما نحتاجه بعد 10 سنوات هو تحريك لرواسب الذاكرة لنتفق على أن الثورة، وإن استغرقت وقتًا لتثمر فهي أفضل من الاستبداد والجوع في دولة القمع والخوف، على الجميع أن يفهموا أن الثورة تحوَّلت من حدث تاريخي إلى حالة اجتماعية ووعي دائم ومتجدّد لدى جيل تشكل وعيه في مناخات الديمقراطية وحرية التعبير، فلا يمكن لأذناب المنظومة القديمة وللوبيات الفساد ولأصحاب الوعي المشوَّه أن يفتكُّوا منهم آمالهم وأشواقهم أو يُشوَّه وعيهم الذي لا يعرف سوى الثورة وما جاءت به من قيم حرية وكرامة وعدالة وديمقراطية، فلا يُغريه بعد ذلك الاستبداد ولا يحِنُّ إليه.

الجيل الجديد يؤمن بالثورة ويصبر عليها، ويضرب على يد كل من يفرِّط فيها، يجب أن ندرك أن ثنائية المنظومتين القديمة والجديدة بالمفهوم الوظيفي والسياسي بدأت تتراجع لحساب وعي قديم ووعي جديد. لم نعد نتحدث عن منظومات حكم متنفِّذة تتصارع والبقاء يكون للأقوى في إطار ميزان قوى مختلٍّ إنما نحن هنا أمام وعي بأن الحرية اقتضاء فلسفي ووجودي، وتقويضها هو تقويض للوجود وللإنسان، من الممكن أن يُعد هذا الكلام ضربًا من ضروب الترف؛ لأن أغلب الشباب ينفر من الشأن السياسي ويحاصره اليأس من كل مكان عندما يرى وضع البلاد. لكن ما يجب أن ننتبه إليه هو أن اليأس من الفاعلين السياسيين ومن هذه النخبة عمومًا، وليس من الوطن أو من الثورة.

أخيرًا وفي ذكرى اندلاع الثورة التونسية المجيدة، الثورة حلم جيل كامل، وأمل الجيل الذي يليه، وهذا ما لم يدركه الكثيرون من مكونات الهامش السياسي. الثورة أمل دائم سيُثمر قريبًا وسنرى نتيجته تدريجيًّا في عيش الناس وكرامتهم، ولن تنجح منظومات التفكير القديمة في تزييف الوعي أو تشويه الحقيقة. نحن هنا، جيل بأكمله اكتشف معنى الحياة مع الثورة وتعلَّم أن يحلم معها، وما زال يحافظ على حلمه رغم محاولات السرقة المستمرة لأحلامه وآماله. نحن جيل أوفياء لأحلامنا ولثورتنا ولدماء شهادئنا، وبوصلتنا تُشير دائمًا للحرية بكل تجلياتها الجليَّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد