منذ أكثر من عام مضى، أشار معهد «استراتيجيك فوركاستينغ للدراسات الاستخباراتية» إلى أن تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا سيكون السمة المحددة للنظام الدولي، ما سيخلق معضلة للقوى المتوسطة العالقة بين القوى العظمى المتنافسة، ولم يستغرق الأمر طويلًا على اندلاع الحروب التجارية والهجمات السيبرانية وتحول الاستراتيجيات الدفاعية وسباقات التسلح، حتى يقتنع العالم أن هذا الوضع هو الواقع العالمي الجديد المزعج.

إذ قامت واشنطن بإعادة توجيه سياستها الخارجية تجاه آسيا وسط ظهور الصين بوصفها قوة اقتصادية عظمى، ما شكل تحديًا للهيمنة الأمريكية على اللعبة السياسية العالمية الجديدة، وهذا هو السبب وراء مناورات واشنطن لإيجاد تحالف إقليمي مناهض للصين، يشمل الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، واليابان، إلى جانب أستراليا، التي تربطها معاهدة دفاعية بواشنطن تُلزمها بتعزيز أمن الحليف الأمريكي جزءًا من كتلة «الأنزوس»، والهند والاتحاد الأوروبي.

سيكشف هذا العام عن القيود، التي ستواجهها الولايات المتحدة في محاولة عزل الصين، وستأتي القيود من سلاسل الإمداد المتشابكة بين البلدين، وحتى من أكثر الحلفاء الذين تعول عليهم الولايات المتحدة، إذ سيعلق هؤلاء الحلفاء بين الحفاظ على علاقتهم الأمنية القوية مع الولايات المتحدة، وحاجتهم المتزايدة لتوسيع علاقاتهم الاقتصادية مع الصين، ستخلق هذه الديناميكية الدولية صداعًا كبيرًا للقوى المتوسطة والشركات ذات النشاط العالمي، أثناء محاولاتها التنقل عبر هذه البيئة المعقدة.

وحتى مع محاولة القوى الأوروبية الرئيسية تأكيد سيادة الاتحاد الأوروبي على النطاق العالمي، لتفادي تحولها إلى مجرد أضرار جانبية، غير أن هذه القوى ستكتفي برد الفعل فقط تجاه المنافسة الأوسع نطاقًا، أما الدول التي تقف في المنتصف، بداية من بولندا، وصولًا إلى تركيا وتايوان، فإن توتر المناخ الجيوسياسي سيترجم في بعض الحالات إلى فرص استراتيجية، في ظل محاولة تلك الدول العمل بسرعة لتعزيز التحالفات الأمنية، والحصول على منافع اقتصادية خاصة من الدول الكبرى الساعية لكسب رضاها، فتصاعد المنافسة بين القوى العظمى لن يعمل إلا على مفاقمة التوترات بين الدول والشركات بشأن السياسات، وبوصفها أكبر هدف للهجمات، تمضي الولايات المتحدة في مسار أكثر شراسة، مع بقاء الصين وروسيا هدفين لها.

ستتصاعد المنافسة «الأمريكية- الصينية» عمليًّا على كل الجبهات في عام 2019؛ فعلى الصعيد الأمني ستزيد أمريكا من تحديها للصين في بحر الصين الجنوبي وفي قضية تايوان، ما قد يزيد من عدد المواجهات والصراعات، التي ستكون على وشك الوقوع بين القوات الأمريكية والصينية في نقاط التوتر البحرية، أما جهود الولايات المتحدة الاقتصادية لمواجهة مبادرة «الحزام والطريق» الصينية بشكل مباشر، على العكس من ذلك، ستواجه قيودًا أكبر، إذ تستغل الصين اتفاقيات الشراكة الاقتصادية المشتركة مع الدول الكبيرة والصغيرة لإضعاف التحالفات الأمريكية.

وسيكون التطور السريع في تكنولوجيا السلاح الهدامة، مقترنًا بالتدهور السريع في اتفاقيات الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، سيسرع سباق التسلح الخطير بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، كما أن انسحاب واشنطن من معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، والمفاوضات الهشة بشأن «المعاهدة الجديدة لتخفيض الأسلحة الاستراتيجية»، سيعمقان الانقسامات في أوروبا، مع محاولة القوى الغربية تفادي تورطها في تكديس السلاح، فيما تحاول الدول الواقعة على خطوط المواجهة مع روسيا، مثل بولندا ودول البلطيق وربما رومانيا، التطوع لاستضافة معدات عسكرية أمريكية، في الوقت ذاته، ستحرر الولايات المتحدة نفسها لبناء ترسانة قوية لتحدي الصين.

وفي عام 2016، صدر كتاب «التكنولوجيا والسياسة.. الجني الذي خرج وجيوش بلا بشر»، عن مركز الأهرام للنشر، واستعرض الكتاب العلاقة بين التكنولوجيا والسياسة، وأثرها في الأوطان والشعوب.

وتناول الكتاب في مقدمته عبارة «إلى أحفادي الذين سيرون أعاجيب عالم المستقبل السحري»، وتناول قدرة التكنولوجيا على التغيير وعرض للثورات التي صنعتها التكنولوجيا، وأثر كل ذلك في الإنسان الذي ربما فاجأته التكنولوجيا بأنها أصبحت شريكه في الثورات والتغيرات السياسية.

وحمل الكتاب عناوين «صراع الأزمنة، الرجل الذي أزاح الجبل، التكنولوجيا وشرعية السلطة» على الترتيب، وتأثير التكنولوجيا على مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية في العالم، مع سرد أمثلة ومشاهدات وانطباعات استقاها الكاتب من حياته الشخصية وزياراته لعدد كبير من الدول ضمن مهامه الصحافية، وتطرق المؤلف لظاهرة التطرف والإرهاب، التي يمكن ردها إلى التكنولوجيا ولظاهرة الهجرة وارتباطها بالتحديات البيئية، التي تهدد كوكب الأرض وتأتي نتيجة التطورات التكنولوجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد