نشرت منظمة أوكسفام البريطانية تقريرها السنوي حول ظاهرة عدم المساواة في توزيع الثروات في العالم، وذكرت المنظمة في هذا التقرير أن 1% من أكبر أثرياء العالم يحتكرون ثروة تفوق ثروة الـ99% المتبقين، لم يعد العالم يستحي من انحيازه المفضوح للأغنياء الذين ألقوا أنفسهم بكل دهونهم فوق أجساد الجياع، غير مكترثين بأوجاعهم، وفي الوطن العربي كلما أردت أن تثور على فقرك يخرج عليك رجال الدين في شاشات التلفاز والإذاعات ليذكروك أن عليك أن تبقى فقيرًا، فقط لأن «الله يحب الفقراء»، الفقر ليس عيبًا يا سادتي، العيب أن نحاول تبرير الفقر أو نستغل الدين ليبقى الفقراء فقراء، ويزداد الأثرياء ثراء، لم يحلم ذلك الفقير البائس بأشياء كبيرة يا سادتي يمكن أن يطلب بسببها المغفرة، كانت أحلامه صغيرة جدًا؛ بحجم حذاء جديد أو بيت لا يقطر سقفه كلما جاء الشتاء، فهل كفر عندما سأل الله ذلك؟

لا تصدقهم أيها البائس عندما يقولون لك إن «الفقراء وحدهم يدخلون الجنة»، صدق جحيم فقرك اليومي، وأطفالك الذين يطالبونك في العيد بثياب جديدة، صدق لياليك التي قضيتها متسكعًا في وطن لا يمد سجاده الأحمر سوى لسادته الأغنياء، حتى عندما تموت لن يمشي خلفك سوى البائسين مثلك تمامًا وأبنائك العشرة الذين لم تترك لهم شيئًا سوى تلك الديون التي أثقلتك، أما جارك الذي يملك قصرًا فخمًا تطل إحدى نوافذه على بيتك الصغير فعندما يموت سيجد أشخاصًا كثيرين يمشون وراءه، بينهم وريثه الوحيد؛ طفل أنفق كل ما يملك عليه ليدرسه في أفخم جامعات البلاد، وليعلمه ركوب الخيل ولعب التنس، صدق صرخات الجياع مثلك تعلو فوق أصوات الأثرياء المتخمين بالصدف البحري والكافيار خارج الوطن، تكرشوا حتى عادوا بلا رقبة، صدق حزنك على طفلك الحادي عشر الذي مات بردًا لأن لا سقف لبيتك القديم في الشتاء، صدق أن الفقر كافر أو صدق ناجي العلي إذا أردت ذلك عندما يقول: «أنا شخصيًا منحاز لطبقتي، منحاز للفقراء، وأنا لا أغالط روحي ولا أتملق أحدًا، القضية واضحة ولا تتحمل الاجتهاد، الفقراء هم الذين يموتون، وهم الذين يسجنون».

ولذلك السبب أيضًا كان الكاتب الفلسطيني، غسان كنفاني يردد دائمًا: «لن أرتد حتى أصنع في الأرض جنتي أو أقتلع من السماء جنتها أو أموت أو نموت معًا».

ثم ها هو الوطن الذي جمعكم يومًا تحت سقف واحد فاحتضنته ونبذك، يبحث عنك في شوارعه القذرة لتغفر له ذنوبه بعد أن دمرته الحرب، وتخلى عنه كل «أبنائه البارين»، لتبقى وحدك أيها الابن العاق للوطن تنام في الزقاق البائس نفسه منذ سنوات، لا لشيء إلا لأنك لا تملك مثلهم ثمن تذكرة لمغادرته في الدرجة الأولى، أو تأشيرة للسفر إلى ما وراء البحار، قد تفكر أن عليك المخاطرة بكل شيء، حين تلعب مع البحر لعبة الحياة والموت في قارب لا يتسع لكل همومك التي ورثتها طوال سنين من الجوع والقهر في هذا الوطن المخذول.

أرسل الكاتب الأمريكي مارك توين رسالة لعشر شخصيات مرموقة في الولايات المتحدة كتب فيها «اهربوا، لقد اكتشفوا أمرنا»، وفي صباح اليوم التالي كانوا كلهم خارج البلد، ماذا لو أرسلنا هذه الرسالة لسادة هذه الأوطان العربية؟ هل كان سيبقى منهم رجل واحد في صباح اليوم التالي؟ ربما، هم يعرفون جيدًا كيف يحافظون دائمًا على امتيازاتهم، هناك في أحد البنوك الأوروبية كانوا يضخون منذ سنوات ملايين الدولارات استعدادًا لمثل هذا اليوم الذي قد يأتي، بعد ذلك يمكنهم أن يواصلوا حياة الترف في إحدى الفيلات التي تطل على نهر السين، كأن شيئًا لم يكن، أما أنت أيها البائس المسكين فلا مكان آخر لك سوى ذلك المقهى الذي كنت ترتاده منذ سنوات كل صباح تحدق في الكتل البشرية تتدفق في اتجاه واحد، أنت تكره هذا الوطن الذي يعاملك بجفاء بينما تحتضن كل الأوطان الأخرى أبناءها، لكنك لست على استعداد أن تشارك أحد الغرباء هذا الشعور المقرف، ربما تجد في حديث علي بن أبي طالب عزاء لما تشعر به، عندما قال: «الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن».

كم نحن غرباء فيك أيها الوطن؟ وكم نحن مثقلون بهزائمنا التي ورثناها جيلًا عن جيل، بكل ما فيها من خيانات ومؤامرات قذرة، وما زلنا منذ ذلك اليوم نجوع ليشبع حكامنا في زمن أصبحت فيها حياتنا لا تساوي عندهم رصاصة طائشة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد