يتملكني خليط من الحماس والقلق والتردد للحديث عن ذلك العمل – في شوارع القاهرة نزهة مع نجيب محفوظ – الذي بين يديَّ كما تمَلّك الكاتبة عند كتابتها له كما ذكرت به.

بيرسا كوموتسي مصرية يونانية ولدت بإحدى شوارع القاهرة الشهيرة شارع مراد، وعاشت بمصر حتى انتهائها من دراستها الجامعية، هي روائية ومترجمة عن العربية والإنجليزية ترجمت العديد من أعمال نجيب محفوظ التي من خلالها تعرَّف القارئ اليوناني عليه وعلى أعماله المختلفة.

تحمل الرواية التي بين أيدينا طبيعة السيرة الذاتية، وقد نقلها إلى العربية المترجم د/خالد رؤوف والذي ترجم عن اليونانية الكثير من الأعمال منها «حياة أليكسيس زوربا».

تستهل الكاتبة كل فصل من فصول الرواية باقتباس للمعلم الكبير كما تسميه في إحدى رواياته يُناسب ما تتحدث عنه بالفصل، وبكثير من الحب والحنين إلى الوطن ولكاتبها المفضل المعلم الكبير تتنقل بنا بريسا بين صفحات رواياته وشوارع القاهرة في مراحل حياتها المختلفة المتعاقبة؛ ببساطة تلاحظها بين الأسطر بعيدة عن التكلف والتعقيد.

تستهل بريسا فصلها الأول باقتباس من رواياته: «إن الزمان يتقدم غير ملتفت إلى الوراء وينزل كلما تقدم قضاؤه بالخلائق وينفذ فيها مشيئته التي تهوى التغيير والتبديل، لأنه ملهاته الوحيدة التي يستعين بها على ملل الخلود، فمنها ما يبلى ومنها ما يتجدد، ومنها ما يموت ومنها ما يحيا، ومنها ما يبتسم شبابه، ومنها ما يرد إلى أرذل العمر، ومنها ما يهتف للجمال والعرفان، ومنها ما يتأوه اليأس والفناء.»

تُحدثنا عن قلقها الذي كانت مصابة به وخوفها من الكتابة عنه -لم تقو لمرات كثيرة على الإقدام على هذه الخطوة – وعن سبب تخطيها لذلك القلق واتخاذها تلك الخطوة التي بلا شك كانت خطوة عظيمة.

تتمثل مشاعر الحب التي لا تخلو من براءة الطفولة بين كاتبتنا وهي طفلة وصديقها الذي تعرفت عليه في شارعها الجديد والذي كانت رافضة لفكرة انتقالها له بسبب حبها لبيتها القديم الذي كانت تعيش به؛ انتقلت بكثير من القلق والضيق ما لبث أن تلاشي رويدًا رويدًا بسبب حبها الأول، وحبها الدائم الأبدي لـ«المعلم الكبير» الذي تقول عنه: «تعلمت من أعماله الكثير، علمني الصبر والتسامح ووسع من مداركي وآفاقي الفكرية والروحية».

كان قبالة بيتها الجديد بناية أسطورية في خيالها الطفولي لم تكن تدري كنهها؛ لجهلها بالقراءة بالعربية لصغر سنها وأصلها اليوناني ولكن مع مرور الأيام وتعلمها القراءة والكتابة بها عرفت أنَّها إحدى فروع «وزارة التعليم والثقافة»، كان يجتمع بها كبار قامات الفكر المصري والعربي بتلك البناية التي تقبع أمام منزلها فلم لا يتنقلوا إلى هنا؟! «لم يعد الأمر سيئا إذا انتقلنا إلى هنا» على حسب تعبيرها.

رأت الكثيرين منهم ومنهم نجيب محفوظ «كنت قد ميزت رجلًا أسمر اللون طويًلا بوجه مظلم، ملامحه مصرية جدًا خلف نظارته السميكة القاتمة كانت تظلل الجزء الأكبر من وجهه، لكنها رغم ذلك كانت تظهر تحت العدسات القاتمة زوجًا من العيون لهما نظرة ثاقبة، معبرة، تنضح دائمًا دفئًا وطيبة».

يتجلى حبها الفطري له من قبل حتى معرفة من هو، الذي ستعرف لاحقًا من خلال صديقها الذي يوبخها على كيفية جهلها نجيب محفوظ الأديب الأشهر الذي تحتل أعماله شاشات التلفاز ويعلمها حتى وهو الطفل الصغير، فتقول «منذ ذلك الحين كنت أنتظره كل أسبوع في نفس اليوم كي أصافحه … بأمل أن أحصل على بركاته، بركات رجل كنت أمجده بالفطرة قبل أن أعرف من هو».

طلبت منه متوسلة أن يعيرها أعمال ذلك الكاتب الأشهر بعدما ما أخبرها بأنَّه الكاتب المفضل لدى والده وكل كتبه بمكتبته فأعطاها وعدًا بذلك لكن بعد أن تتعلم القراءة بالعربية.

وبعد مرور بضع سنوات تعجب مدرس اللغة العربية الخاص بها بالمدرسة اليونانية التي التحقت بها لطلاقتها في الحديث بالعربية التي أخفت أن يكون سببها كتب المعلم الكبير، لكن من سيصدق فتاة في نفس عمرها حيث كانت في الصف الثاني أو الثالث الإبتدائي، واخبرته بأنها تقرأ كتبًا للمراهقين بالعربية.

كما ترصد أول حوار دار بينها وبين «المعلم الكبير» عندما كانت طفلة ذلك الحوار الذي لا تنساه أبدًا رغم مرور السنوات.

(قال: «اسمك جميل يا إلسا. عاشت الأسامي!»

«شكرا»، أجبت برضا عميق،لأني كنت أعرف أن تلك الأمنية في هذا البلد شيء مميز.

«ثم إنك من بلد عظيم له حضارة باهرة مثل مصر.»، أكمل حديثه مما أثار دهشتي وسعادتي في نفس الوقت).

تواصل سيرها بنا بين صفحات التاريخ في الفترة التي عاشت بها في مصر، من خلال صفحات وكلمات محفوظ ترصد ما عاشته مصر في فترتي حكم عبد الناصر والسادات والتحولات النفسية الكبيرة التي عاشها الشعب المصري بين حربي 67 و73 وكيفية اختلافها الكبير ومن خلال روايته أمام العرش وعرضها لمحاكمة ناصر والسادات بتلك الرواية، وتحدثت عن تجاربها مع الروايات التي قامت بترجمتها له، وما تعلمته منها وأعطى لها خبرة في مجال الترجمة.

ألم الفراق وعدم قبول الآخر

تنتقل بنا وترصد التحولات التي تطرأ على البلد من وقت لآخر، أول فراق عانته في حياتها عندما غادر صديقها مع عائلته إلى إحدى الدول العربية بدون عودة لتدهور الأحوال الاقتصادية بالبلاد إلى إحدي دول الخليج، مرورًا بحادث الطائرة القبرصية التي عانت بعدها أول مرة من إحساس الغربة داخل بلدها التي تربت به وأصدقائها التي عاشت بينهم، فقد كانوا سيمنعونها من دخول الجامعة نتيجة له.

كما ترصد أيضا أهم النقاط الفارقة في حياتها الجامعية بل حياتها أجمع، حيث تمَّ اختيارها مع عدد من الطلاب لتمثيل جامعة القاهرة في اللقاء الصحفي مع الكاتب المسرحي الأمريكي «آرثر ميلر» لتوجيه سؤالين فقط له كما حُدد لهم لا أكثر من ذلك.

ومن ثمَّ الزيارة الأهم كما تصف وعنونت فصلا كاملا لتصف به زيارة نجيب محفوظ لجامعة القاهرة، تصف مشاعرها حين علمت بزيارته وتقول: «لم أنم تلك الليلة من فرط سعادتي، ولا حتى الليالي التي تلتها، كان هناك شيء في هذا الرجل يجعلني أشعر بهدوء بنفس قدر ما كنت أشعر به من نشوة للحياة. كتاباته كانت تفتح آفاقا واسعة في عقلي وروحي وكانت بمثابة رحلات أقوم بها من خلال كتبه إلى أماكن أخرى لم أكن أعرفها من قبل، كنت أشعر دائما أن تلك العلاقة سوف تزدهر بشكل ما، لكن الشيء الوحيد الذي لم أكن أعرفه ولم أستطع تخيله هو كيف سيحدث هذا.»

ترصد الزيارة وكيف كان المدرج يعج بالطلاب ولم يأبه الطلاب للحر الشديد وقتها والازدحام بقدر اهتمامهم لحضور كاتبهم المفضل ما لبثوا حتى شرعوا في إلقاء الأسئلة عليه أسئلة حول الفن والمسرح والشعر والعلم والسياسية وحقوق الإنسان والحرية وحرية الثقافة والحقيقة والقدر والأخلاق والحضارة وغيرها من المواضيع التي كان يجيب عنها بكل رحابة صدر.

وجاء الوقت للاختيار بين مستقبلها وبين حياة تعرفها، وانتصر لمستقبلها، لتغادر إلى بلد لم تكن تعرفه جيدًا كالبلد التي عاشت به وللاختلافات التي طرأت على مصر منذ ولادتها حتى انتهائها من دراستها الجامعية.

اتخذت القرار بالهجرة وقلبها يحمل غصة لفراقها الوطن الذي تقول عنه: «مصر التي ربتني وعلمتني وسلحتني بكل ما شكّل وعيي وشخصيتي». غادرت مصر وبعد سنوات من الفرقة، يحملها قلب المحب العاشق للعودة إلى مصر في جولة لتكتشف مصر بعد فراقها، لكنها حين عادت مرة أخرى لم يكن كل شيء كما تركته.

وخلال مرورها بخان الخليلي وجدت ضجة كبيرة حول إحدى المقاهي فإذ بها تجد معلمها الكبير وملهمها يحيط به الكثيرون بعد بضع سنوات من محاولات قتله وقبل بضع من وفاته، وحاولت تلك المرة أن تتحدث إليه وتخبره بكل ما تحمله من مشاعر له وتجاربها ولكنها لم تقدر بسبب ذلك الزحام والضجة من حوله.

وتستمر في التجوال واستحضار شخصيات رواياته أمامها كما كانت تفعل دومًا منذ تعرفت عليه وعلى أعماله المختلفة كل فصل من فصول حياتها فصل من فصول رواياته المختلفة تراها تتحقق أمام عينيها تحدث كأنها بين دفتي إحدى كتبه.

ويتجلى حبها الشديد له ومعرفة كل من حولها بذلك حين وافته المنية فتلقت الكثير من الاتصالات من الجميع كأنَّ أحد أقاربها هو من مات، لم تصدق خبر وفاته فتقول: «لم أشأ أن أصدق وفاته. فعلى أية حال، المبدعون من هذه النوعية لا يموتون أبدا».

تلك رواية من القلائل التي تترك بك أثرًا يصعب نسيانه، تظهر لك عظمة كاتب ملء السمع والبصر ولكن في نفس الوقت تجعلك تندم أشد الندم على عدم إعطائه حق قدره من أبناء شعبه والحزن على محاولات قتله من قبل شخص لم يقرأ له عملا واحدا، بينما تجد أبناء شعب آخر يحبونه ويكنون له كل التقدير والامتنان تعلموا منه الكثير والكثير.

كاتب تُرجمت أعماله إلى أكثر من 30 لغة مختلفة حول العالم وكُتِبَ حول رواياته الكثير من الكتب النقدية والتحليلة وتعطيك فخرًا بكاتب كهذا. وأيضًا تسلط لك الضوء على كاتبة مصرية يونانية بأسلوبها البسيط وراياتها التي تنفذ إلى أعماقك وتزلزل وجدانك.

وفي النهاية لا يسعني القول سوى بأنَّه يجب علينا إعادة قراءة كاتبنا العظيم مرة أخرى قراءة جيدة وإعطائه حقه ومكانته المستحقة التي نالها سابقًا وفي أرجاء العالم.

وأضع أخيرًا الاقتباس الذي افتتحت به فصلها الختامي لروايتها التي تُعد تعريفا بكاتب لمن لا يعرفه وببلد في فترة من فترات تاريخها:

«هبوط، صعود، موت، بعث، مدني، عسكري، فلتسر الدنيا في طريقها. أما أنا فإنني استعد لرحلة أخرى».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد