مثّل فوز الأستاذ قيس سعيد حالة فريدة في أوساط الشارع العربي منقسمًا بين الطبقة السياسية التي لم تتوقع رئيسًا من خارج المنظومة التقليدية للأحزاب، وبين مجتمع سرعان ما أجمع على الرجل، رغم أنه لم يكن معروفًا لأحد، إلا أنه وكعادة العقل العربي سرعان ما يُسلم نفسه طواعية لكل من يلهث بذكر اسم فلسطين، القضية الوجودية بالنسبة للعرب، ويعجب بالمظهر، وهنا نتحدث عن الصورة التي صُدِّرت لسعيد على قدر من الزهد والتواضع، كما وينصت بجوارحه لخامة صوته وهو يتوعد الفساد وأهله، إضافة لاعتباره الأستاذ الجامعي المثقف الضليع باللغة الفصحى البعيد عن ركاكة اللهجات جعلته ينال رصيدًا إضافيًا من قبل الطبقة المثقفة.

كل هذا ولست هنا أنكر ما سبق على الرئيس قيس سعيد، بل أقره كغيري على صفاته الحميدة وصلباته وموقفه تجاه القضية الفلسطينية، ولست هنا أيضًا أكتب لأعيد ما قاله غيري عن ظروف فوز سعيد أو لوضع توقعات بإنجازات أو التشاؤم بثورة مضادة كالحاصلة في مصر، وإنما هنا أحاول أن أدرس الحالة النفسية للناخب التونسي ومُسقطًا الخيوط على الخريطة العربية لدراسة الشعبوية التي ننكرها على الغرب ونأتي بمثيلاتها في بلداننا.

في البداية لو أمعنا النظر في النتائج التي أوصل قيس سعيد لقصر قرطاج لرأينا أن قرابة 72٪ من أصوات من صوتوا ذهبت لسي قيس سعيد، وهنا نقرأ أول مؤشر للانتخابات، وهو أن الشعب لَفَظَ وهَمَّ بمعاقبة الطغمة التي حكمت، ولم تحقق الآمال التونسية من رفع مستوى المعيشة والقضاء على الفقر وغيرها من مطالب الثورة، فرأينا الحزب الحاكم حزب «نداء تونس» يخسر موقعه على الخارطة السياسية، ورأينا كذلك اختيار رجل من خارج المنظومة التقليدية بعيدًا عن المناكفات السياسي، وهنا نستدل على سلامة الخيار التونسي وتماشيه مع الحالة الطبيعية لأي انتخابات ديمقراطية نزيهة بإقصاء المقصر في واجباته، والأهم هو خروج التونسيين من منطقة العبودية التي ظل العرب قاطبًا يرزحون فيها لقرن من الزمان، وهنا أتحدث عن عبودية الأشخاص والوصاية التي تركها النظام السابق وكسر القاعدة التي رفض كسرها المصريون على سبيل المثال والتطلع نحو يوم جديد وغد أفضل.

غير أننا نقرأ أيضًا من صعود المرشح الآخر نبيل القروي أنه لا تزال فئة ليست بالقليلة من أبناء المجتمع العربي، ولا أقول التونسي فقط تقدم الخبز على الوطن، ولو وقفنا قليلًا لرأينا أن السبب الأول هو الجهل الذي خلفه عصر بائد هو عصر الاستبداد، ونعلم يقينا أن الاستبداد يحارب الوعي والتعليم ويضع في أولوياته تغيب الوعي ونشر الأمية والجهل.

لو التفتنا مرة أخرى إلى النسب وهذه المرة نسبة المشاركة في التصويت لرأينا أن 20٪ نسبة من صوتوا في الانتخابات الرئاسية أكثر من نظيرتها التشريعية، ومن الدلالة هنا أن العقل التونسي لا يزال يتعلق بشخص الرئيس وهي حالة عامة تشمل الكل في الأقطار العربية، فرغم الثورة التي اقتلعت بن علي، وجاءت بدستور أقرَّ السلطات التنفيذية بيد ممثلي الشعب، وهم مجلس النواب، إلا أن هناك جهلًا من قبل الأقلية الناخبة، وأما الأكثرية فهو الرفض بتسليم أن السلطة هي بيد البرلمان، وأن الرئيس هو كل شيء، فهو السياسية والاقتصاد وصاحب القرار بكل شيء.

من الملفت أيضًا هنا الإجماع الكبير على شخص ونهج الرئيس سعيد، والذي يدل على الرغبة الحقيقية في التقدم ورفض النظام البائد بمن يمثلونه بعقليتهم ونهجهم، كما أن النتائج التي أفرزت شخصية وقامة علمية كسعيد أثبتت كذب الادعاءات الغربية والمستشرقين الذين غنوا أسطوانتهم المشروخة بأن الديمقراطية لا تصلح للعرب والعرب لا يصلحون للديمقراطية، كما أن آلة الإعلام والتي ركزت على تصوير إسرائيل واحة ديمقراطية في محيط متخلف ثبت كذبها، ولست هنا أقدس الديموقراطية وإنما أسقط أقوال الغرب وأثبت بالوقائع بأن الشعوب خيارها دومًا مع اليد النظيفة والمواقف الصلبة، وأن الطغمة الجاثمة على صدور الشعوب منذ قرن خلى يمثلون مصالح غربية أكثر ما يمثلون تطلعات شعوبهم.

على الجهة الأخرى وخارج حدود تونس رأينا تجاوبًا كبيرًا مع الشعوب المحيطة والبعيدة مع خيار الشعب التونسي والذي مثَّل تطلعات كل عربي وفتح طاقة أمل يتلمسون طريق حريتهم واسترداد بلدانهم المنهوبة، فالشعوب التي رأت ثورة كتبت عصرًا جديدًا لتونس تعلم أن المسار واحد، وهنا لا يجب أن نتجاوز عن نقطة التحضر التي أظهرتها شعوب المنطقة في تظاهراتها من تنظيم والبعد عن التخريب والنف بل وتنظيف الأماكن العامة في صورة تمثل العقل العربي المتحضر في مخالفة لما بنى عليه الغرب رأي شعوبهم، بل على النقيض نرى التخريب من المتظاهرين في فرنسا وإسبانيا وحرق للمركبات واشتباكات في صورة همجية، المسألة إذًا تعبير عن المعدن الأصيل الشعوب العربية وحقيقة الحضارة والمجتمعات الغربية.

أخيرًا لا يغيب عنا المشهد المؤلم الذي انتهت إليه ثورة الشعب المصري، والتي أغرقته في الديون، وجففت عروقه، وبوَّرت أرضه بالتنازل عن مياه النيل، ولذلك يجب الحذر، والمؤكد أن الشعب لا يمكن أن يقبل بالرجوع إلى عصر الظلام، ولكن الأنظمة المستبدة والدول الغربية التي ترفض قيام كيان عربي يهدد الهيمنة الإقتصادية والسياسية له سيعملون كلهم على تفشيل سي قيس سعيد، سيحاصرونه اقتصاديًا، ويعزلونه ساسيًا، سيفتعلون له المشكلات الأمنية، ويطلقون الإعلاميين لمهاجمته، ثم ستأتي لحظة الحقيقة وهي بيان يتلوه متعطش لسلطة، هذا المسار هو الذي أطاح بالرئيس مرسي، ولكن من المعلوم أن عنصر المفاجأة غاب عنهم هذه المرة، ولعبتهم انفضحت غير أن الالتفاف حول الرئيس الجديد والتعلم من الدرس المصري والوقوف على أصغر التفاصيل هو المخرج من الأزمات وحتى تكتمل الصورة فنحن أمام شرق أوسط جديد يحكمه من يريدهم الشعب، ولا أتحدث بتفاؤل مفرط، بل أمل يحذوني كأي عربي متعطش للعيش بكرامة، رغم أن المسألة معقدة بحيثياتها وخصوصية كل دولة، لكنَّ الأمر المسلم به هو أن المارد خرج من قمقمه، ولن يقبل أن يعود ثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد