عُرفت العبودية منذ قرون بعيدة، عانى منها بشر يملكون ذات الصفات التي يملكها البشر المستعبِدون صور الظلم والاستغلال بحكم أنهم مملوكون لأشخاص قد اشتروهم، أو حصلوا عليهم هبة. قامت ثورات ونزلت تشريعات وشنّت حروب للتخلص من هذا النوع من التملك حتى اندثر تقريبًا، ما لا يعلمه غالبيتنا أن العبودية لم تنتهِ، إنما تطورت وبشكل أسوأ مما كانت عليه، إذ إننا لم نصبح مستعبدين من بني البشر بل من قبل آلات وأجهزة ومواقع افتراضية.

قد يرفض البعض الاعتراف، أو يتجاهلون كونهم أصبحوا مدمنين على الإنترنت بشكل عام، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بشكل أكثر تحديدًا، إذ إنها أصبحت جزءًا مهمًّا من حياتهم التي يستطيعون أن يستغنوا فيها عن الماء، بينما لا يحتملون انقطاع «الواي فاي».

إن السبب الذي وُجدت من أجله مواقع التواصل الاجتماعي هو ذات السبب وراء تسميتها بذلك، لكنه بات من المنطقي التشكيك بهذه الحقيقة، فهل تظن أن توزيع كروت دعوة زفافك طارقًا أبواب جيرانك يحمل ذات البهجة عند نشرك له عبر «بوست» على صفحتك الشخصية؟ هل ستفرح جدتك برسالة «واتساب» أو «تاج فيسبوك» في عيد ميلادها السبعين؟ هل ستكون قادرة على أن تقدم لك الطعام، وتضمن أنك لم تعد جائعًا عبر خدمة «live»؟ هل تخيلت أن علاقتك مع صديقك المفضل ستنتهي بـ«block»، أو أن إيجاد شريك حياتك سيبدأ بـ«add» أو ربما «follow»؟ أم أنك تجد فكرة إلغاء الإعجابات ومسح التعليقات من منشور أحدهم هو وسيلة للتعبير عن غضبك واستيائك، وأن إغداقه بها هو عربون المحبة والود والعلاقة الحقيقية؟

بطريقة أو بأخرى، هذه المواقع الافتراضية غيرت مفاهيمنا تجاه الصديق المفضل والزوج المثالي، غيرت نظرتنا تجاه الطريقة التي نلبس ونأكل ونحتفل بها، غيرت مبادئنا نحو الاهتمام برأي الناس أكثر من إرضاء ذواتنا وتقبلها، ونتظاهر في الوقت نفسه بعكس ذلك، غيرت أساسيات الحوار، واحترام الرأي الآخر، وطرق التعبير عن المشاعر، وآداب الانتقاد، وتقدير العلم، وإصدار الفتاوى، واتخاذ القدوة، حتى نظرتنا تجاه أنفسنا لأننا حصلنا على 120 إعجابًا على صورة «سيلفي» أنيق، وطريقتنا في التعطش للمديح واستقبال المكافآت على إنجاز اللاشيء.

إن الإدمان على الإنترنت والذي يعتبر مرض العصر، يكمن في خطورة الأعراض الجسدية المصاحبة له، والتي قد لا يتم التخلص منها بسهولة، والمتملثة بالتعب والخمول والأرق، وآلام الظهر والرقبة، والتهاب العينين، وزيادة الوزن المفرطة، والتعرض للإشعاعات الصادرة عن شاشات الأجهزة. بالإضافة إلى ما يمكن أن يسببه من مشاكل نفسية مثل الاكتئاب والعزلة الاجتماعية والتوحد، خصوصًا في حالات إدمان الأطفال. ناهيك عن تبعاته السلبية التي قد تؤدي للتأثير في حياة الفرد، وإفساد علاقاته المختلفة، وربما تقوده إلى أشكال أخرى من الإدمان.

من ناحية أخرى، إن إنكار ما قدمته لنا هذه المصادر من منفعة وعلم في سبيل التطوير، وطرق للتواصل بين البشر، وإلغاء المسافة في ما بينهم، هو إدعاء محدود وسطحي؛ إذ إنها غيرت –وما زالت تغيّر- حياة الكثيرين ممن أدركوا حقيقة استخدامها، واحتفظوا بحياتهم الاجتماعية الشخصية أو بجزء منها على الأقل غير قابل للمشاركة والعرض، أما الغالبية المسيّرة بعد أن تتقبل المشكلة ينبغي لها البدء في إيجاد الحلول وتطبيقها، تلك التي تجدونها أيضًا على الإنترنت.

عالميًّا، تم تصنيف إدمان الإنترنت بوصفه اضطرابًا نفسيًّا حقيقيًّا، وافتتحت عيادات رسمية ومراكز إعادة تأهيل للمدمنين حول العالم، لكن طريقة ما غفل عنها الأطباء والمعالجون النفسيون باعتبارها جزءًا من العلاج، حينما سألت فتاة عن كيفية التخلص من إدمانها على «فيسبوك»، فعلّقت لها أخرى: «أدمني على إنستجرام».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد