منذ قديم الأزل يبحث ابن آدم عن تشكيل الأنماط، وربط الأحداث المختلفة بعضها ببعض، مكونًا فسيفساء معقدة يزعم أنها مجهزة أصلاً قبل إدراكه لها. في القدر، أتت الديانات والمذاهب جميعها متقدمة كانت أو متأخرة بتصور ولو بسيط يشرح تلك الأنماط العجيبة التي تسري في هذا الكون، وأحيانًا يصل بعضهم إلى تكفير معارضيه لجدل حول تصور القدر. وحسب ذلك التصور تقسمت فرق ونحل، كلٌ لها ذاتية خاصة في فهم القدر والإلمام بمعرفة آليته تلك التي جعلت الكون جسدًا وروحًا يرى جمالهما الأعمى ويسمع شدوهما الأصم.

في الإلهيات، التسليم بالقدر هو التسليم بأن الرب قدّر كل الأحداث مسبقًا، وأن أفعالنا لا تتعارض مع إرادة الله؛ فهو كلي القدرة كلي المعرفة. وعلى اختلاف الأديان فقد تحدث جميعهم عن القدر وإن اختلفت تسميته فإن شرَّقت صار «كارما» وأحيانًا يسمى بإرادة الله أو المكتوب، ولكن في النهاية يشتركون جميعًا في وصف عام للقدر أنه هو النمط الذي يسير به الرب شؤون الكون من كبرى مجراته إلى دقائق ذراته ومن فضائه الفسيح إلى نفوس عبيده المليئة بالتعقيدات.

لم يسلم العلم أيضًا من الخوض في هذا الطريق المجهول بحثـًا عن ذلك النمط المسيِّر للكون، ولكن هذه المرة لم تكن الأدوات إيمانية فقط، بل تسلح العلماء على مر الزمان بمنهج علمي مادي يستطيع الراصد له أن يقيس دقة العلماء ويحسب نتائج نظرياتهم لتفسير الكون وتنميطه.

يختص العلم بوحدة مميزة في جميع فروعه فقوانين الفيزياء لا تتعارض مع الأحياء ولا الكيمياء ولا الجيولوجيا، وإذا زرت جامعة أو ذهبت إلى معمل بحثي لوجدت عالم الفيزياء يصوغ قوانينه بلغة الرياضيات، ويرى نتائج أبحاثه على الأحياء وتأثيراتها على طبقات الأرض وتربتها. ولما كان ذلك التزاوج الدائم بين فروع العلم أُنجب لنا علومًا متداخلة بين العلوم الرئيسية العامة، ولكن…

ولكن العلماء لم يقفوا عند هذا الحد وأرادوا الخوض لما هو أبعد بكثير، ما دامت كل العلوم تتآلف لتشكل لوحة بديعة نرى من خلالها الكون، وما دامت كل قوى الطبيعة «الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوى النووية الكبيرة والقوى النووية الصغيرة» تتشارك جميعًا لتعزف لنا سيمفونية عذبة لمَ لا تكون هناك نظرية تصف الكون جميعه كوحدة واحدة نستطيع من خلالها توقع جميع أحداثه وفك شفرات أنماطه؟!

ظهرت في زماننا المعاصر أفكار كثيرة تقترب بشدة لتكون هي نظرية كل شيء التي تصف كل الكون بكل أجسامه، ولعل أشهر هذه الأفكار هي نظرية الأوتار. تتحدث النظرية عن عالم أصغر بكثير من عالمنا المكتشف عالم ما دون الذرة بل ما دون الإلكترون، هناك حيث لم يصل أحد قط أوتار وخيوط تشبه أوتار الجيتار أو العود، وتلك الأوتار حين تتحرك بطريقة ما تصبح جسيمًا، وإذا كانت تتحرك بطريقة أخرى أصبحت جسيمًا آخر. أعلم أن ما قلت يصعب تصوره ولكن انتظر فالأصعب قادم، وسيكون أكثر إبهارًا وأكثر متعة.

في الفيزياء الحديثة يلمع لنا علم يختص بوصف ورصد عوالم ما تحت الذرة، وإن كنت تدعي أنك قد فهمت بديهيات الكون والحركة والجاذبية، فإن هذا العلم يتحدى جميع البديهيات ويرمي بها عرض الحائط. واختار العلماء لهذا العلم اسمًا هو فيزياء الكم، تخبرنا فيزياء الكم عن الجسيمات المتناهية في الصغر التي تسير في المستوى ما دون الذري، فعند حديثنا عن الفوتونات «حزمة من الضوء» نكتشف أنها تسلك سلوك الجسيمات وسلوك الموجات ويسمى الوضع الذي يحدث فيه السلوكان الوضع الفائق، ولكن العجيب أنه عند رصد الفوتون يظهر لنا في حالة واحدة إما على شكل موجة أو جسيم. لتبسيط المثال يسرد لنا شرودنجر قصة تعد هي الأشهر في تاريخه، فلو وضع شرودنجر قطة في صندوق ووضع معها قنبلة، وكانت نسبة انفجار القنبلة هي 50% فنحن لا نعلم إن كانت القنبلة انفجرت أم لا، ولا نعلم أيضًا هل ماتت القطة أم لا، يصبح هذا الوضع عجيبًا جدًّا، ويكون هو الوضع الفائق؛ فالقطة الآن نصف حية ونصف ميتة، ولكننا إن فتحنا الصندوق فسنرى القطة إما ميتة وإما حية. وهنا تكمن الحيرة، وكأن الكون يعلم بأننا نرصده ويظهر أمامنا بمظهر وسلوك واحد، ولكن أين يذهب المظهر الآخر؟!

في رسالة الدكتوراه لهيو إيفريت من جامعة برينستون اقترح إيفريت نظرية ستسبب ثورة من بعده. فبالنسبة لإيفريت، فقياس الشيء الكمي لا يجبره على اتخاذ حالة معينة أو أخرى. وبدلاً من ذلك، فقياس الشيء الكمي يسبب تفرعًا حقيقيًا في الكون. فالكون تم نسخه تمامًا إلى كونين، وكل واحد من الكونين يمثل نتيجة محتملة للقياس. على سبيل المثال عند قياس فوتون فإنه يظهر في كوننا بمظهر الموجه وفي اللحظة نفسها يتفرع كون جديد يظهر فيه الفوتون بمظهر الجسيم. ربما يكون الوضع الآن ثقيلاً على الفهم والتصور ولكنني قد حذرتك بأن فيزياء الكم تضرب ببديهيات الطبيعة عرض الحائط. وهذا يعني أنك لو تعرضت لموقف يكون فيه الموت نتيجة محتملة، إذن ففي كون موازٍ لنا، أنت ميت. وليس هذا فقط ما يفعله الكم بنا فالكم يهدم أيضًا مفهومنا الخطي عن الزمن؛ فتتابع الأحداث في الحرب العالمية الثانية ليست كما نظن حدثت في مسار خطي، ولكن الكون تفرع لأكثر من نتيجة محتملة وسارت الحرب في مسيرات مختلفة جديرة بالملاحظة.

ولكن ما علاقة نظرية الكم بمفهوم القدر، الكون كما ذكرنا لا يسير وفق نمط واحد عظيم يحدد دقائق الكون، ويصف أحداثه، ويتوقعها، ولكن كل حدث يتفرع منه نتائج مختلفة تظهر منها أكوان متعددة وأقدار متعددة، فلم يعد لكل حدث قدر كما كان متصورًا؛ بل أقدار عديدة وجميعنا نسير خلالها. وربما يكون لكم فهم آخر أعمق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد