ننطلق نحو العام الجديد بالعديد من الأماني التي تحيي الرغبة في الحياة داخل كل منا. تلك الرغبة التي انطلقنا بها نحو كل عام جديد منذ بداية حياة جميع من يؤمن بأن الانتقال من ديسمبر (كانون الأول) نحو يناير (كانون الثاني) يستوجب نزع القناع القديم، وارتداء آخر لا يمكن وضعه بشكل صحيح، إلا عند هذا اليوم البالغ من الأهمية أهمية ميلاد المسيح.

جميل، جميل أمر التغيير والتقدم ولو بفكرة تغيير القناع فقط لأجل تغييره، أو لمجارات سرعة تقدم الوقت بما يزخر به من زركشات جذابة تفرض بقوة على من يغرق وسط متاهة الأيام المظللة فترة نزهة وتغيير جلباب من يعلم حقيقة سترها للعورة، أو كشفها للعلن بوضوح أكبر. مع ذلك تظل فرصة إعادة الحسابات القديمة، وفتح أخرى جديدة في حلة تبتعد عن الأخطاء السابقة التي تم ارتكابها بوعي أو عن غير وعي.

الأمر حتى اللحظة يظهر إلى أبعد الحدود إيجابياته؛ لأنه بشكل مفصل يسمح لبشر العالم بالاتفاق حول احتفال واحد، ووقفت موحدة أمام ساعات الدنيا بأمل زهري، وشغف مشتعل كطفل يحتضن ملابس العيد الجديدة في حظنه ويأبى النوم حتى صلاة العيد، فالوضع إذًا لعب ولهو وإعلان عن نهاية لقديم وولادة لبداية متجددة، بأصل قصة جميل يحتفي ببداية وعي البشرية أهمية الوقت، وتأريخه ليتعاقب على شاكلة أرقام كل يستخدمها حسب هواه.

يقول مصطفى صادق الرافعي: «ليس العيد إلا إشعار هذه الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها بأن الأيام تتغير». طبعًا المقام هنا لا يقع موقع العيد عند الأمة الإسلامية، بيد أن الأمر أضحى يتجه في هذا الاتجاه. القول واضح، بل ويكشف الوجه الآخر الذي يتخفى بين أسطر السنوات وتعاقبها. فما نلامسه واقعًا بالمجتمعات العربية الإسلامية، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص باختلاف طبقاته الاجتماعية، وفئاته العمرية، هو تخبط حقيقي يتمثل في ممارسات لا تمت بصلة لوجه العملة الآخر. بشكل أدق ما يحدث من جرائم قتل واغتصاب وسرقة، سواء بسبب السكر أو غيره من مغيبات العقل. قد يقول قائل: أين هذا لأجيبه ألق نظرة حول ما يجول بالعالم الافتراضي من فيديوهات وصور.

بالرجوع للواقع بعيدًا عما تسوقه مواقع التواصل الاجتماعي، لا نجد سوى العديد من الأفعال الشاذة التي تتموقع بدرجة أقل من الجرائم السالفة الذكر. فالتراشق بومواد صالحة للاستهلاك المنزلي اقترن بهذه الفترة من السنة اقتران الوضوء بالصلاة، بين صفوف الشباب خاصة التلاميذ منهم داخل الفضاء المدرسي وخارجه. واللائحة تطول في سرد النقط السوداء التي تتموضع فوق نهاية كل سنة وبداية أخرى. يستوقفني هنا قول جورج بيرنارد شو: «التقدم مستحيل بدون تغيير، وأولئك الذين لا يستطيعون تغيير عقولهم لا يستطيعون تغيير أي شيء».. فالعلة التي نعاني منها علة عقول أثقلها المرض وانتقل بين أجيالها كالنار بالهشيم، متجسدًا بأشكال مختلفة ومتعددة تملك من تظليل المظهر ما يملكه السراب القابع وسط صحراء قاحلة بنظر تائه بين كتبانها. حتى أصبح كل مريض من هؤلاء المرضى يؤمن يقينًا أنه على حق.

يقول الحق جل وعلى في محكم تنزيله: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (الرعد 11). في إشارة واضحة وصريحة إلى أن ما نحمل بين أضلعنا هو السبيل الأنجع للتغيير، دون قيد بوقت ولا بمكان. فمكمن الخلل إذًا يتربع قابعًا داخل كل منا مادامنا نتضلل بعبائة المجتمع، ونرتدي قبعة الجمع عبر الاندماج وباقي مكوناته، لنصل إلى أن خلاصة القول: وبعيدًا كل البعد عن نهاية سنة المسيح عليه السلام، أو نهايتها، فلا عظمة تأبه ولا مأساة. كل ما يهم هو العلل التي تظهر أثناء سيرورة التغيير المتكررة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد