ساءت أحوال الإمارة الصليبية كما وضحنا في مقالنا السابق وفقدت الإمارة حدودها الواسعة وواجهت قلة في مواردها العسكرية، ووقعت فريسة لهجمات قبائل التركمان التي فرت من الغزو المغولي لوسط آسيا إلى الأناضول وشمال الشام، وساءت أحوالها الاقتصادية، هذا في الوقت الذي اقترب فيه الغزو المغولي من بلاد الشام، حيث أصبح على الصليبيين والمسلمين كل على حد سواء تدبير أمورهم استعدادًا للدفاع عن أنفسهم أمام هذا الإعصار القادم من الشرق، وكان على إمارة أنطاكية وأميرها بوهيموند السادس أن يتخذ سياسة تحميه من الخطر القادم، ولم تكن هذه السياسة سوى التحالف مع الأرمن بعد وساطة لويس التاسع ملك فرنسا فدخلت الإمارة الصليبية في فلك الخضوع للمغول بعد التحالف الأنطاكي الأرميني.

اندفع جيش مغولي بقيادة هولاكو في عام 1256/653 عبر نهر جيحون إلى فارس، حيث بدأ بالاستيلاء على أملاك الحشيشية هناك، ثم بدأ بالزحف باتجاه مدينة بغداد حاضرة الخلافة العباسية، فدخلها هولاكو بجيشه ودمرها وأمر بذبح غالبية سكانها وقتل الخليفة العباسي نفسه “المستعصم” وخربت بغداد الخراب العظيم، واستولى هولاكو على إقليم الجزيرة الفراتية    وخضع له سلاجقة الروم والأرمن، وصل هيثوم الأول ملك الأرمن إلى مدينة الرها وقدم فروض الولاء والطاعة لهولاكو ونصحه بالبدء بمهاجمة مدينة حلب وعرض مساعدة قواته. استولى المغول على حلب بعد حصار دام أسبوعًا وقام المغول والأرمن بمذبحة عظيمة للمسلمين في المدينة وقام هيثوم ملك الأرمن نفسه بإحراق مسجد حلب الكبير، واقتيد النساء والأطفال إلى بلاد الأرمن وبيعوا كرقيق.

ذهب بوهيموند السادس بصحبة ملك الأرمن هيثوم الأول لمقابلة هولاكو وألقى بنفسه تحت أقدامه وأعلن خضوعه له، وتلقى بوهيموند ثمن خضوعه للمغول فقد سلم له المغول كل أملاكه التى استولى عليها صلاح الدين، واسترد مدن اللاذقية وجبلة، ثم كان على بوهيموند أن يشارك المغول في دخول دمشق، ودخل المغول والأرمن وصليبيو أنطاكية دمشق دون مقاومة. أمر بوهيموند السادس رجاله بأن يقيموا القداس داخل المسجد الأموي، وأمر رجاله بأن يسكبوا الخمر في سائر مساجد المدينة وأن يأكلوا فيها لحم الخنزير نكاية في المسلمين.

تغيرت الرياح في بلاد الشام، فبعد رفض السلطان المظفر قطز الإنذار المغولي خرج بجيشه من مصر إلى بلاد الشام لمواجهة المغول “عاد هولاكو بغالبية جيشه إلى بلاد فارس لظروف موت خان المغول الكبير وليرقب التنازع على العرش وترك في الشام حامية مغولية مكونة من عشرة آلاف مقاتل بقيادة  كتبغا “ وتواجه الجيش المملوكي مع الجيش المغولي وحلفائه في عين جالوت وانتصر المماليك انتصارًا كبيرًا وطهروا بلاد الشام من الوجود المغولي وأصبحت بلاد الشام تابعة لسلطنة المماليك.

عادت الوحدة الإسلامية لتضم مصر والشام تحت قيادة المماليك، الأمر الذي كان يشكل خطرًا داهمًا على الصليبيين في بلاد الشام، وأصبح الأرمن وصليبيو أنطاكية الهدف الأول للانتقام الإسلامي، فإن موالاتهم للمغول واعتداءاتهم على المسلمين في دمشق وحلب جعلت كلاهما هدف انتقام السلطان الظاهر بيبرس، وكان على الصليبيين والأرمن أن يتجرعوا قسوة الآلة العسكرية المملوكية ومرارتها، وشهدت سنوات حكم بيبرس الأولى شنة هجمات قوية على إمارة أنطاكية.

كان على الصليبين والأرمن في عام 1266/664 أن يستعدوا لتلقي هجمات بيبرس  المتوالية عليهم، فقد قام بيبرس بالإعداد لحملة ضخمة في هذا العام، واتخذ من الإجراءات ما تدل على عبقريته العسكرية ودهائه وحسن تدبيره، فقد أمر ببناء جسر على نهر الفرات، وأمر ببناء مراكب في دمشق وأرسلت إلى ألبيرة، وكل هذا ليوهم المغول أن حملته القادمة ستكون ضدهم فيمتنعوا عن إرسال أية قوة إلى الأرمن، وقسم بيبرس جيشه لخمسة أقسام ووجه كلاً في اتجاه ليشغل كل أعدائه دون أن يعرفوا أين سيقع هجومه، أرسل بيبرس قسمًا من الجيش بقيادة قلاوون والمنصور محمد إلى بلاد الأرمن وأمرهم بإنزال أقصى قدر ممكن من الدمار والخراب على أراضي الأرمن، في هذا الوقت ذهب هيثوم الأول مسرعًا إلى المغول ليطلب مساعدتهم ضد المماليك وترك ولديه ليو وثوروس يتوليان أمر المملكة، لكن المغول كانوا مشغولين في حرب ضروس ضد مغول  القبيلة الذهبية “حلفاء المماليك”.

استطاع الجيش المملوكي أن يهزم الجيش الأرميني هزيمة ساحقة وقتل أخا هيثوم “سمباد” كندسطبل المملكة، وابنه “ثورس”  وأسر ابنه الآخر “ليو”، ودخل الجيش المملوكي مدينة سيس عاصمة مملكة الأرمن ودمروها وأحرقوا كنيستها وقصر الملك وانتشرت فرق الجيش المملوكي في سهل قيليقية ودمروا كل المدن الأرمينية والقرى والحقول.

عاد هيثوم الأول من أراضي المغول إلى بلاده ليجدها خرابًا، وليعاني من الحزن على موت أحد أبنائه وأسر ابنه الآخر، وضياع كل جهوده في إعلاء شأن مملكته التي لم تقم لها من بعد ذلك قائمة، وهكذا كان الارتباط الأرميني بالمغول والخضوع لهم بالإضافة إلى ما ارتكبوه من جرائم في حق الإسلام والمسلمين في بلاد الشام وبالاً على أرمينيا  “كما سيكون وبالاً على أنطاكية لاحقًا”. كان هذا الارتباط سببًا في أن يكون الأرمن أول الأعداء الذين خطط بيبرس للانتقام منهم، وستظل ما تبقى من مملكة الأرمن عرضة للانتقام المملوكي كل فترة.

“ذهل الصليبيون عندما رأوا أسوار أنطاكية وضخامتها في عام 1097/491 ولم يستطيعوا اقتحامها إلا بعد حصار دام أكثر من سبعة أشهر، وعندما وصل صلاح الدين أمام أسوارها في عام 1188/584 أثر عقد الهدنة مع بوهيموند الثالث لتعب قواته، ولإدراكه صعوبة الاستيلاء على المدينة ذات الحصانة والمناعة، وفي عام 1268/666 جاء بيبرس إلى أنطاكية وحاصرها وأخذها”.

قطع بيبرس في حملاته السابقة لفتح أنطاكية الطريق بين كونتية طرابلس والمدينة، وتم غلق الاتصال بين الأرمن وأنطاكية بعد حملة قلاوون والمنصور محمد على أرمينيا، وهكذا أصبحت أنطاكية  مدينة معزولة محرومة من أية مساعدة ممكنة وهدفـًا سهلاً للمماليك.

خرج السلطان الظاهر بيبرس بجيشه من مصر في فبراير  1268/ جمادى الآخرة 666، ووصل إلى غزة ومنها تحرك باتجاه مدينة يافا التي استسلمت له في مارس 1268/ جمادى الآخرة 666. وفي أبريل 1268/ رجب 666 بدأ في حصار شقيف أرنون واستطاع فتحها بعد أسبوع متواصل من قصف أسوارها وقلعتيها، في ذلك الوقت أرسل أمير بيروت يطلب الأمان من السلطان الظاهر، ثم تحرك بيبرس بجيشه إلى مدينة بعلبك، وفي أبريل 1268/ شعبان 666 ظهر بيبرس بجيشه أمام مدينة طرابلس حيث أرسل فصائل من جيشه قامت بالإغارة على المدينة  وحصونها الخارجية.

في ذلك الوقت أرسل مقدم الداوية يطلب الأمان لأملاك جماعته في أنطرطوس وصافيتا، وطلب أيضًا مقدم الاسبتارية الأمان لجماعته في حصن الأكراد، فرحل بيبرس بجيشه من أمام طرابلس في مايو  1268/ شعبان 666، دون أن يطلع أحدا من قادته على وجهته حتى يحقق عنصر المفأجاة الذي كان دائمًا ما يحرص على الاستفادة منه، ووصل إلى مدينة حمص ومنها تحرك إلى مدينة حماة، وهناك قام بتقسيم جيشه إلى ثلاثة أقسام.

كان لبيبرس هدفين من هذا التقسيم أولهما أن يموه على الصليبيين فلا يتمكنوا من تحديد وجهته المقبلة. توجه القسم الأول من قواته بقيادة الأمير “بدر الدين الخازندار” إلى الساحل حيث ميناء السويدية حيث قام المماليك بقطع الاتصال بين أنطاكية والبحر، توجه القسم الثاني من قواته بقيادة الأمير “عز الدين إيغان” شمالاً إلى حصن دربساك لكي يغلق الطريق على أية مساعدة قد يجازف الأرمن بإرسالها إلى أنطاكية التي كانت ستواجه مصيرها المحتوم، تحرك القسم الثالث بقيادة بيبرس إلى مدينة أنطاكية نفسها ووصل إليها في يوم 15 مايو 1268 الموافق 1 رمضان 666 هجرية، وهكذا تم إحكام الحصار حول أنطاكية وكان هذا هو الهدف الثاني لبيبرس من تقسيم قواته.

a

أحاطت قوات بيبرس بالمدينة من كل اتجاه خلال يومين، وفي محاولة يائسة خرج كندسطبل أنطاكية “سيمون مانسل” بعسكر أنطاكية  ليشتبك مع القوات المحاصرة للمدينة، فاشتبك مع فرقة مملوكية في قتال انتهى بأسر الكندسطبل وتم إحضاره إلى خيمة السلطان، أطلق بيبرس سراح الكندسطبل على أن يكون مبعوثه ليسأل أهل أنطاكية تسليم المدينة بالأمان، عاد كندسطبل أنطاكية ومعه عدد من رجال الدين للتفاوض مع السلطان، وبعد ثلاثة أيام من المراسلات بين بيبرس وأهل المدينة فشلت المفاوضات.

وفي يوم السبت الموافق 4 رمضان أمر بيبرس بشن هجوم على أسوار المدينة من كل جانب، وتمكن المسلمون من اقتحام المدينة من الجهة الجنوبية بالقرب من القلعة، وتدفقت قوات بيبرس إلى داخل المدينة دون عناء وأعمل المماليك السيف فيمن وجد بالمدينة، وأحاط أمراء المماليك بأبواب المدينة حتى لا يفر منها أحد، ولجأ إلى قلعة أنطاكية عدد كبير من أهلها بلغ عددهم ثمانية آلاف، وطلبوا الأمان من السلطان الذي منحهم الأمان وخرجوا من المدينة، وأطلق السلطان سراح الكندسطبل وأهله وتوجه إلى سيس عاصمة الأرمن، قام بيبرس بتدمير استحكامات المدينة وقلعتها.

استسلمت للسلطان الظاهر كل من دركوش وكفر دوبين وكفر تلميس  والقصير، وهي القلاع التى كان قد منحها المغول لبوهيموند  السادس، وسلم الداوية حصن بغراس وعدة قلاع صغيرة حول أنطاكية للسلطان، وبينما السلطان الظاهر بيبرس في أنطاكية يقوم بتوزيع الغنائم على جيشه وصل إليه رسل هيثوم الأول ملك الأرمن يعرضون عليه إعادة كل ما أخذوه من قلاع وحصون من المسلمين في الشام أثناء الغزو المغولي مثل حصون دربساك وبهسنا ومرزبان وبذلك عاد النفوذ الإسلامي يمتد إلى مداخل قيلقية.

كان سقوط أنطاكية أعظم فتح حققه المسلمون على الصليبيين منذ موقعة حطين واسترداد القدس. وكان بوهيموند السادس مقيمًا بطرابلس في هذه الفترة، ولم يكن على علم بما حدث لبلاده، وتكفل السلطان الظاهر بيبرس بإخباره الكارثة في رسالة مليئة بالسخرية والتهديد، وبخضوع أرمينيا، وفتح أنطاكية وملحقاتها، يكون بيبرس قد عاد بحدود المنطقة إلى ما كانت عليه قبل قدوم الصليبيين إلى الشرق منذ مائة وسبعين عامًا.

وإذا كان استيلاء الصليبيين على أنطاكية مثل أول ظهور لهم في بلاد الشام، فإن استرداد بيبرس لها يحدد نهاية الاحتلال الصليبي لشمال الشام، ولم تعد أنطاكية مدينة الرب كما كانت  فقد فقدت المدينة أهميتها الدينية فقد أمر السلطان الظاهر بحرق وهدم كل الكنائس الموجودة داخل أنطاكية وذلك انتقامًا من بوهيموند لتعديه على المساجد في دمشق، وأدرك المسيحيون المحليون حقيقة الأوضاع الجديدة في المنطقة وعادت المسيحية الشرقية إلى الحياة في ظل التسامح الإسلامي، فانتقلت الكنائس الأرثوذكسية واليعقوبية إلى دمشق، ولم تعد أنطاكية سوى مدينة إسلامية يقطنها المسلمون ومن خضع لهم من المسيحيين الشرقيين، وأصبحت حلب هي المعقل الرئيسي الذي يحمي شمال الشام، ونقطة الارتكاز لمواجهة المغول في الأناضول والجزيرة.

لا شك أن أنطاكية كإمارة صليبية في بلاد الشام قد أسهمت بدور بارز في العلاقات الصليبية الإسلامية في هذه المنطقة، وتبدلت أحوال الإمارة الصليبية ما بين القوة والضعف والعداء والتحالف مع المسلمين، قامت إمارة أنطاكية الصليبية بدعم الكيان الصليبي بالجهود العسكرية والسياسية وقامت بمساندة كل ما من شأنه تقوية هذا الكيان الاستيطاني، وتجلى ذلك بمساندة إمارة أنطاكية لجماعات الفرسان الرهبان “الداوية – الاسبتارية – التيوتون”، وأيضًا مساندتها لجاليات المدن الإيطالية بما قدمته من منح وامتيازات لهم، أسهمت الإمارة الصليبية أيضًا بنصيب وافر في جذب المغول إلى دائرة الصراع الصليبي الإسلامي بعد دخولها فلك السياسة الأرمينية، ولكي يضمن بيبرس أمن بلاد الشام تطلب منه ذلك القضاء على قوة أرمن قيليقية وإمارة أنطاكية الصليبية، وقدر لبيبرس أن تكون نهاية مائة وسبعين عامًا من الوجود الصليبي في شمال الشام على يديه هو.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أنطاكيا, تاريخ

المصادر

• ابن العميد، أخبار الأيوبيين.
• ابن عبد الظاهر، الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر.
• أبو المحاسن، النجوم الزاهرة في ملوك القاهرة.
• اليونيني، ذيل مرآة الزمان.
• حسين عطية، إمارة أنطاكية الصليبية وعلاقتها بجيرانها المسلمين.
• Claud Cahen, La Syrie du Nord aLepoque des Croisades et La Principaute franque d Antioche
• Hayton , La Flor de Les Estoires
• Vartan , Histoire Universelle
عرض التعليقات
تحميل المزيد