“عنتر ولبلب” أو “شمشون ولبلب” هو فيلم مصري يرجع إنتاجه لعام 1952، أثار ضجة عند ظهوره الأول، ثم تم تجاوز الإشكال بتغيير التسمية، والفيلم كوميدي ساخر من بطولة محمود شكوكو (لبلب)، وسراج مراد (عنتر)، وكتبه بديع خيري، وأخرجه سيف الدين شوكت، وبرغم الطابع الكوميدي إلا أن الفيلم سياسي، ويحمل دلالات شديدة الأهمية عن فكرة المقاومة وانتصار الضعفاء.

يدور الصراع حول محاولة عنتر القضاء على لبلب، وأن يفوز بخطيبته ولهذا يتصدى له لبلب، وفي لحظة فوران وغضب يتحدى عنتر بأنه يستطيع أن يضربه سبعة (أقلام) على سبعة أيام، وفي هذه اللحظة ينتهز عنتر الفرصة ويقبل التحدي ويخبره أنه لو ضربه (الأقلام) السبعة سيتنازل عن الكازينو الخاص به.

الفيلم يتناول الأفكار والرسائل السياسية ودعوات المقاومة خلال الفيلم ومشاهده، إلا أن المهم أنه الآن يجب على لبلب (الضعيف) أن يضرب عنتر (القوي) سبعة (أقلام) ولكن كيف؟ كيف يفوز الضعفاء في الصراع؟!

كتب إيفان أريجوين في عام 2005 كتابًا يقوم على هذا السؤال: “كيف يفوز الضعفاء بالحرب؟”. وقدم رصدًا خلال 200 سنة منذ 1800 وحتى 1998 لحوالي 197 حالة صراع بين طرفين أحدهما قوي والآخر ضعيف؛ فوجد أن حوالي30% من النتائج انتصر فيها الطرف الضعيف؛ مما جعله يركز الأمر على الخمسين سنة الأخيرة من عمر الدراسة، أي بين عامي 1950 وحتى 1998، ليجد أن نسب انتصار الضعفاء في تزايد مستمر، ووصلت في آخر إحصاء له لـ55%، ولعل اليوم تتزايد هذه النسبة عن ذلك.

“افتح صدرك وخش ع الأهوال.. يمكن ناموسة وتجرح جتة الأفيال”

هذه كلمات الدرويش الذي يسكن حي لبلب، حاول بها تشجيع لبلب على المقاومة ومواجهة عنتر، والفكرة التي أرادها الدرويش أن قوة الفيل لا تظهر إلا أمام من يواجهه مباشرة أما من يضرب ويختبئ، يصيب ويختفي، يناور ويستنزف؛ فهو قادر على جرح وإسقاط الفيل.

وهذه الفكرة تناولها روبرت تابر في كتابه “حرب البرغوث” “the war of the flea”، وهو ما تم ترجمته لاحقًا لحرب المستضعفين، وهو كتاب تدور فكرته حول أن البرغوث يستطيع أن يفقد الكلب قدرته على الاستمرار باستنزافه المستمر، وفي النهاية سيسقط الكلب من الإعياء وفقر الدم، وينتصر البرغوث. ويستدل على ذلك بعدة تجارب منها حرب الصينيين مع اليابان وحرب أمريكا مع فيتنام، وغيرها من الحالات التي انتهت لصالح الضعفاء.
الحيلة في مواجهة التفوق في القوة والموارد، الذكاء في مواجهة البطش، المناورة في مقابل المواجهة، وغيرها من الأفكار التي حملها الفيلم وحملتها الكتب التي تحدثت عن فوز الضعفاء.

الفيلم يعكس ببراعة مدى استجابة أهل الحي (الجماهير أو الشعب) للرهان بين لبلب وعنتر، والأحاديث البينية “كمان شوية هنتفرج والفرجة ببلاش”، هكذا الجماهير متفرجون على أدق الأوصاف!!

الجماهير هم كفة الرجحان في معركة الضعفاء، إلا أنهم أول من يتعاونون ضدهم، وأول من يسخرون منهم، وأول من يطربون المستبد القوي بالنفاق، الجماهير لا تدري أهم دومًا مع من غلب، أم أنهم لا يتمتعون بالثقة الكافية لينصروا المظلوم ويأخذوا على يد الظالم.

الجماهير أو أهل الحي في البداية يتغامزون على لبلب الضعيف، ثم يتحدثون عن جرأته، ثم يناصروه ويحتفون به وبنجاحاته، ثم يصبحون عونه في الانتصار حتى إذا غلب “قالوا يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة”، لا تدري كيف تأمن غضبة الجماهير، ولا متى تكسر مناصرتهم وانحيازهم، إلا أنك في كل الأوقات يجب أن تدرك حقيقة ثابتة: أنه لا يفلح قوم ضعفاء سبوا الجماهير وسخروا منهم صباح مساء!!

“هات الطيارة بقولك هو أنت عشان طويل فاكرني هخاف منك ده لبلب اللي قد كده ضرب عنتر بالقلم”، هذا مشهد بين مجموعة من الأطفال يلعبون بطائرة ورقية، فيحاول طفل أكبر نسبيًّا وأطول أخذ الطيارة، فيرد عليه أحد الأطفال؛ ليعكس فيه المخرج العبقري مدى الاستجابة الجماهيرية لنجاحات لبلب، ورغبتهم في تقليده، واتخاذه مضرب الأمثال.

الجماهير أصناف، منهم من يتحرر سريعًا بأقل النجاحات، ثم يصبحون من الأنصار، ومنهم من لا يبارح مقعد المتفرجين، ومنهم من يبذل قصارى جهده للقضاء على الضعفاء إما للغيرة أو الحقد أو كمثل تلك القرية التي دخلها جنود الاحتلال واغتصبوا فيها كل النساء إلا واحدة قاومت حتى اضطر الجنود أن يخرجوا من القرية، وبقيت وحدها لم يمسسها بشر فما كان من بقية النساء إلا أن تآمروا لكي تصبح مغتصبة مثلهن!!

استطاع لبلب أن يكسب الرهان ويضرب عنتر السبعة (أقلام) وصمم وصفة مهمة لكل ضعيف يريد أن يصارع قويًّا في سبع خطوات:

• استدرج خصمك إلى أرضك ولا تذهب لأرضه؛ فاستدراجه يفقده استعداده وذهابك حتمًا سيقضي عليك.

• التوقيت نصف الفوز، فلا تختار التوقيت الذي يريده خصمك القوي، ولكن اختر أنت التوقيت الذي تريد وتكون لك الجاهزية فيه.
• إنما يخسر الأقوياء مع الوقت، فالأقوياء إن لم يحققوا نصرًا حاسمًا سريعًا يفقدون الثقة ويفقدون الهيبة في عيون الجماهير.

• أهن خصمك القوي تكسبه، الإهانة والسخرية هما عدة الضعفاء لإفقاد الأقوياء الهيبة ومن ثم السيطرة.

• اغتنم الفرص، فليس كل خطواتك مرتبة ولا مخططة، ولكن هناك فرصًا هي التي تقربك من الفوز أكثر، فلا تنتظر أن تحقق كل ما رتبته، ولكن كن صياد فرص.
• إذا وصل الأقوياء لمرحلة الشك فلن ينجو منها أقرب المقربين، ولذا ادفع خصومك الأقوياء للشك في المقربين، فعندها ستقضي الصراعات الداخلية عليهم أسرع مما تحاول أنت.

• لا فوز بلا مخاطرة، غامر لتحقيق النصر فإن حروب المستضعفين تستحق.

في متابعاتنا اليومية لما يجري من نزاعات وصراعات بين أطراف قوية وأخرى ضعيفة لا نملك تلك الفرحة التي فرحها أهل الحي بكل (قلم) استطاع لبلب أن يضربه لعنتر؛ لأن الضعفاء اليوم يمارسون الاستقواء والظلم قبل أن يتحولوا إلى أقوياء، لذا يصبح المستقبل ليس أسعد من الماضي والحاضر.

بالطبع لن تكون سعيدًا بامتداد الصراعات، وليس من الواجب أن نسعد برؤية مباراة مصارعة ثيران على حلبة الأوطان التي تستنزف كل يوم، إلا أنه يجب أن يعرف الضعفاء أن الاستسلام لا يفيد، ويعرف الأقوياء أن الضعفاء يمكنهم الفوز؛ لكي يتعقل الجميع ويبحث عن مخرج للأوطان أولًا، ثم المؤسسات أو الجماعات أو الكيانات الخاصة.

فإن الضعيف الذي تعود قصف الجسور لا يمكنه في المستقبل أن يصبح وزيرًا للإسكان؛ إنه تخلى عن طبيعته في البحث عن البناء للبحث عن القصف، وفي أنقاض القصف ستجد بقايا كل إنسان: مَن يقصف، ومَن يُقصف، ستجد بقايا الأوطان تحت الأنقاض تستغيث من الهلاك.

في الحقيقة إن فيلم عنتر ولبلب صالح اليوم للإنتاج من جديد، ولكن من جزأين يحكي لنا فيه الجزء الثاني سلوك الضعفاء إذا ما انتصروا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد