يعرّف مصطلح السياسة المشتقة من الإغريقية politikos بتعاريف عديدة حسب مجال استخدامه، فالسياسة عند ابن خلدون تعني تحمل مسؤوليّة العامّة والأفراد على مقتضى النظر الشرعيّ في مصالحهم الأُخرويّة والدنيويّة الراجعة إليّها. كما تعرف واقعيًا بأنها فنٌّ يقوم على دراسة الواقع السياسي وتغييره موضوعيًا.

وبغض النظر عن تعريفات المصطلح الفلسفية والاجتماعية، فالسياسة عمومًا مجموعة من التدابير والتعاملات والحلول المعتمدة حسب المتغيرات لدى كل نظام حاكم يروم تسيير شؤون مجتمعه بشكل مخطط له لبلوغ الازدهار المنشود، ولدفع الأخطار المحدقة، ومعالجة قضاياه المصيرية بأفضل الوسائل والأساليب المتاحة.

وللسياسة معرفة بديهية، ومعرفة فلسفية، ومعرفة علمية، والأخيرة هي لب العلوم السياسية التي يصفها أرسطو في كتابه علم الأخلاق إلى نيقوماخوس:(بالعلم ذي السلطة الأعلى). ولكل دولة سياسة داخلية وخارجية للحفاظ على الأمن القومي وتحقيق الرفاهية والتقدم المنشود، سواء كانت استبدادية أو ديمقراطية، وتتسم السياسات بمجموعة من المحاذير لتجنب أي خطأ يجلب نكسة أو يؤخر مشروعًا أو يسبب حربًا أو فوضى، فالسياسة منهاج متحول حسب الأجيال والظروف يتخذه قائد سفينة الدولة فيبحر الأخطار للوصول إلى بر الأمان.

التحولات السياسية شأن قديم وحديث

منذ القدم والتجمع البشري يشق طريقه للأفضل عبر كيانات منظمة لها إدارة للاقتصاد وتدبير أساليب العيش ودرء الأخطار وتصريف الأزمات، بوسائل منها أخلاقية، كالتبادل التجاري، والانضمام إلى حلف وغيرها، ومنها مجانبة للأخلاق؛ إذ إن السياسة عمومًا ترتبط بالاخلاق، وأول مفكر سياسي وفيلسوف تحدثعن هذا الارتباط هو «كونفوشيوس»، لكن النتيجة على كل حال، هي المصلحة واستمرارية الوجود، وبالرغم من أن الأنظمة الفاسدة، سواء كانت قبلية، أو نظام دولة أو إمبراطورية، فإنها تغلب مصلحتها الشخصية ولا تهمل الشعب بشكل نهائي، لعلمها أنه الأساس الذي بنيت عليه وأصبحت به قوة مسيطرة، لكن الجانب الأخلاقي في سياسة الاستبداد غائب حتمًا.

وبدون التغول في تاريخ الأنظمة القديمة والفوضى التي عمت بعضها بسبب السياسات الخاطئة وما تلاها من انهيار مؤسسات تلك الدول، مثل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسات في القرون الوسطى المتأخرة، نلقي نظرة حول الفكر السياسي العربي سطحيًا دون التعمق في المعطيات.

بين الأمس الذي يفترض أن يتسم بالتخلف لقدمه وظروفه البدائية، بالرغم الآليات كالدين والثقافة والموروث الأخلاقي القبلي والحقوق المتعارف عليها إنسانيا والفطرة السليمة للبشر وغيرها من الركائز التي تم الحفاظ عليها تارة وخرقها تارة أخرى، والحاضر الذي يجدر بسياساته أن تكون عقلانية وتقدمية في ظل عصر التكنولوجيا والعلوم، والنهضة العلمية والفكرية، والتماس عوامل الرقي عند الأمم الأخرى والنظر في التجارب الناجحة والفاشلة، إضافة الى الموروث الديني الإنساني السامي على اختلاف كل حضارة، وقد بدأت السياسات التقليدية الرافضة للديمقراطية لبعض الدول العربية تنحو منحى شاذًا بشكل ملفت يضع علامة للاستفهام.

السياسات العربية قبل وبعد الثورات

استطاعت الدول العربية الشمولية وغيرها المحافظة على توازن سياسي قائم على المصلحة الكبرى للقيادة والوطن، بالرغم من تخلفها، وإهدار فرص ازدهارها، فأبقت على بعض مؤسساتها ومصالح شعبها، وهذا بالرغم من القمع والفساد وغياب الحقوق ونهب الثروات، كما أن هذه المصائب أيضًا ظلت قائمة خلال سنوات تَسلط الأنظمة العربية القمعية على زمام الحكم قبل الثورات المعيدة لشعاع الأمل للشعوب المقهورة، المنهكة جراء ويلات الاستبداد والديكتاتورية والتخلف وغياب الوظائف والعيش الكريم.

لقد خيم الظلام الحالك عقب فشل تلك الثورات بسبب تدخل قوى عالمية مثل أوروبا، وأمريكا، وروسيا للإبقاء على هذه الدول فاشلة لتحقيق مآربها الاقتصادية والسياسية، وبالرغم من قوة هذه الدول العظمى فإن سياساتها القائمة على مصلحة شعوبها قلصت من جهودها وقصرت من أياديها العابثة بسبب قانون المحاسبة والنزاهة الديمقراطية، فكان «البديل هو استخدام قوى بترولية عربية خاضعة للإملاءات ومتحكم فيها، يمكن أن تصرف ثروات شعوبها الهائلة بدون حسيب ولا رقيب، وتطلق أياديها كيف تشاء بدون قيد أو شرط أو مراعاة لمصلحة وطنية، أو مبدأ أخلاقي، أو حسن جوار، أو مصير مشترك فكانت النتيجة تشريد الشعوب في دول عربية عديدة، مثل: سوريا، واليمن، وإعادة أيام الأوبئة والمجاعة والحروب الأهلية حتى خيم شبح العصور الوسطى المتأخرة في الدول العربية وهي في عصر حديث».

وإثر تنفيذ خطط الرعاة الرسميين بكل تفان وإخلاص وإهدار ثروات الشعوب وضرب كل القيم عرض الحائط، بدأت تظهر بوادر سياسات غريبة ومنحطة ولا تليق حتى بنظام قبلي من العصور الوسطى، كما انبرى قادة جدد لدول محورية وأخرى هامشية مجهرية ثرية، يمثلون مشروعًا تدميريًا لم يسبق وجوده في المنطقة المنهكة بالحروب والمآسي والأزمات، لتظهر سياسات طائشية صبيانية لا تفوح منها رائحة المسؤولية أو التعقل أو مراعاة أي مصلحة، قوى وقادة يمثلون الشر بعينه نهارًا جهارًا، لا حدود لمؤامراتهم، ولا نهاية لخسائرهم، أو لفسادهم السياسي الذي لم تشهد الدول العربية مثله في هذا القرن، يقول المفكرون السياسيون: الواجب هو المصطلح الأساسي في علم الأخلاق، والمصلحة هي المصطلح الأساسي في علم السياسة.

وإن الأخلاق النفعية ليست أخلاقًا حقيقة ولكنها تنتمي إلى السياسة أكثر من انتمائها لعلم الأخلاق، وهذه الأنظمة تخلت عن مفهوم المصلحة كما تخلت عن الواجب الأخلاقي.

إنه عهد جديد حيث وصلت أيادي الغباء والطيش والسفاهة إلى التمسك بزمام دول غنية، والعبث بمقدراتها من خلال تمويل الحروب والفتن وإخماد أحلام الشعوب وفرض حصار على جار حليف عضو في الاتحاد (مجلس التعاون الخليجي)، ووصل الأمر بإعلامهم إلى نشر الأكاذيب وفبركة الأخبار، بالرغم من الفضائح المتتالية بسبب فشلهم في ترويج الباطل والسخافات، فمثلوا أكبر الفضائح الإعلامية عبر التاريخ واتسمت اغتيالاتهم لمعارضيهم بغباء وسوء تخطيط وتنفيذ، فظهرت وحشية سياساتهم بشكل يندى لها الجبين.

إنه ترسيخ لمحور جديد وقادة جدد، مرابطين على ثغور ليست للذود عن الكرامة والوطن، بل لحماية الاستبداد والنهب والفساد، ويلقى رموز الوطن ومصلحوه (جزاء سنمار) توؤد الثورات وتستنزف موارد الوطن ويتم وترسيخ التخلف والسفاهة عبر إعلام يختص في نشر الشتم والسب والقدح في الأعراض وقلب الحقائق بدون مثقال ذرة من مهنية أو حكمة.

بعض القوى الفكرية والجماعات وسيلة لتمرير تلك السياسات وتركيز الطغيان.

يبدو أن هذه الدول التي نصبت نفسها آلات تدمير لأحلام الشعوب، بإرادتها وإملاءات خارجية في نفس الوقت من أجل الوقوف سدًا منيعًا ضد النهضة والعدل والحرية، ستمضي قدمًا لأجل غاياتها برضا الغرب.

وتتخذ جماعات مطلقة الدعم، إسلامية وليبيرالية؛ تجلى هذا السلوك في الجماعة السلفية المدخلية التي كرست مفهوم العقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة، وغيرها من الأسس والمبادئ الإسلامية، لتبييض فساد القادة حتى وصل الأمر بهم إلى القتال ضد على الشرعية في ليبيا، وإلى جانب عميل يمكن اعتباره دخيلًا يسعى لتشكيل عصابة وإعادة نظام سحق الليبيين لعقود طويلة، وتلتقي مصالح هؤلاء مع أندادهم اللبيراليين في دعم رموز الديكتاتورية ويجمعهم غسل الأدمغة.

إن نظام الديمقراطية الذي هو حكم الشعب نفسه بنفسه كان خيارًا لتحصين الشعوب ضد إرادة واحدة، ومزاج واحد يدير الوطن بأخطاء سياسية فادحة، حتى لو كان يسعى للمصلحة فكيف بمن يمثلون الشر والخراب بعينه.

لقد عملت الأنظمة القمعية في العالم العربي خلال عقود لإفساد التعليم والمعرفة وخلق طوائف متناحرة وجلب الانحلال وبعض الأفكار والأيديولوجيات، لضرب المجتمع في دينه ومحافظته وأصالته ونشر العنصرية وخلق شرخ في النسيج الاجتماعي لإضعاف لحمتهم، فاضطهدت الأقليات والسكان الأصليون وتم تزوير التاريخ وتغيير الثقافة.

فأصبح قطيع دائم من الشعب يتشبث بالاستبداد ويؤيده، ويسعى للقضاء على الثورة حال نجاحها، مستفيدًا من أموال البترول الجاهزة لقلب أي نظام قد ينشأ على أيد الشعب من خلال صناديق الاقتراع، ولا ريب أن هذا التيار «السلفي والليبرالي» المؤيد لأقطاب الفساد يفعل ذلك نكاية بالتيار الإسلامي المعتدل وغيره من المجتمع غير المنتسب على حساب أية نهضة أو رقي، وكانوا حقيقة أجدر بهذا الحكم الذي يدعموه ليجثم على صدورهم لعقود لأنهم لا يليقون بالحرية والحق، والوثنية متجذرة في عقولهم، فهم بحاجة إلى تغيير أفكارهم وتقبل جميع مكونات الشعب كيف ما كانوا، والتخلي عن العقلية التكفيرية والتضليلية قال تعالى: إنما المومنون إخوة، (الحجرات) وقال: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما أنفسهم». ( الرعد11).

«يبدو أن هذه الحملة الشعواء التي تقودها بعض دول الخليج بكل قوة ستمضي فيها ولو كلفها ذلك كل مواردها وأسقطها في مستنقع الإفلاس، وستعصف بآمال الشعوب العربية المتعطشة للعدل والحرية أو تعطل ثوراتها لسنوات طوال عجاف، عبر الفوضى الممولة والمؤامرات المسكوت عنها من المجتمع الدولي الذي لا يحرك ساكنًا بسبب المصالح الاستغلالية، وكذلك ضغوط شركات السلاح بسببقوة التمويل الخليجي، وإلى حين انتصار الشعوب واندحار مشروع العار وسقوطه الحتمي».

إن الاحتلال الصهيوني الذي شكل ضربة قاصمة في ظهر الأمة أصبح يبدو حملًا وديعًا بعيد ظهور أقطاب عربية متوافقة وشديدة العزم لتثبيت الاستبداد وأقوى إنفاقًا ومؤامرة بدون رحمة، وقد ظهرت نتائجها في كل من اليمن وليبيا وسوريا وهذه المؤامرات والتدخلات يشوبها غباء كبير أدى إلى تدخل قوى إقليمية، مثل إيران بكل ثقلها الطائفي بسهولة بالغة؛ مما زاد من وتيرة خراب هذه الدول وتعقيد أزماتها.

المستقبل المنظور.. والسنن الكونية لا تحابي أحدًا

يقال: دار لقمان على حالها، و الصيف ضيعت اللبن. لأن الفرص لا تعاد إذا مرت وهؤلاء القادة لا يعتبرون بأسلافهم وإذا استشرفنا مستقبل هذه الأنظمة الرجعية الظلامية فإن سنة الله لن تخطئهم «ولن تجد لسنة الله تبديلًا» (الأحزاب 62).

ولهم موعد لن يخلفوه في الدنيا والآخرة، لأن الظلم مرتعه وخيم، خصوصًا إذا سلط على شعوب بأكملها كما قال الشاعر: لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا.. جنوده ضاق عنها السهل والجبل.

فلا مندوحة من سقوط وخراب وإفلاس لهذه الأنظمة المستهترة بكل القيم الإنسانية.

قال ابن القيم رحمه الله: «المسخُ واقعٌ في هذه الأمةِ ولا بُدّ، وهو في طائفتين: علماء السوء الكاذبين على الله ورسوله، الذين قلَبوا دينَ الله وشرعَه، فقلبَ الله تعالى صُورَهم كما قلَبوا دينَه، والمُجاهِرين المُتهتِّكين بالفسقِ والمحارِم، ومن لم يُمسَخ منهم في الدنيا مُسِخ في قبره أو يوم القيامة».

التقدم المزيف. . ليس كل ما يلمع ذهبًا

تحاول دول المحور المضاد للثورة اللحاق بركب الحضارة فأصبحت تغمرها ناطحات السحاب والأبراج والمتاحف وفن الإعمار الزاخر كمظهر خارجي، ولكن في نفس الوقت يستفحل فيها الجهل والانحطاط، ويْسير حكمها بسياسة قبلية أو نمط عصابة.

مِن تعاُملٍ مع شركات السلاح وتأسيسها، وترويج السوق السوداء، وتزوير العملات والإتجار بالبشر، ودفع الرشاوى بالمليارات لشراء الذمم، وتشويه دول، وتحطيم قيمة عملتها، وتقويض السلم والتعايش، وإشعال فتيل الحروب والفتن، واعتقال وتعذيب أهل العلم والمعرفة، ومن يتخذهم المجتمع أسوة للقيم والفضائل والصلاح، وصولًا إلى دفع أموال ضخمة لصحف مرموقة في الغرب لتلميع صورهم وإظهارهم بمنزلة القادة العظام الذين حققوا أحلام شعوبهم، ثم تُكلل العملية بإفساح المجال للفنانين والحفلات الموسيقية وشراء الأندية الرياضية لترميم الصورة وإنفاق مبالغ تبنى بها دول بأكملها في أتفه الأشياء.

إنه نهج سياسي قذر، وانحطاط، وضحالة فكر، وفقدان رجاحة عقل، ما عرف مثله لعهد قريب، يبدو هؤلاء شيئًا سخيفًا عند الحديث عن شأن الذين خدموا أوطانهم مثل مهاتير محمد في ماليزيا، وأردوغان في تركيا، وهذا غيض من فيض.

إن التاريخ يتعامل مع الجميع، يضع في قمامته أفرادًا ويخلد ذكرى آخرين، فتستنير بذكرهم الأجيال المتعاقبة قادة وشعوبًا، وهذه الأرض يخلد الله ذكرى أخيارها، ويدرأ عنها ذكرى أشرارها، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد