لم يحتل خبر توقيع العراق، في 11 أغسطس (آب) الجاري، لمذكرة تفاهم مع الأمم المتحدة لاستقدام محققين دوليين للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى حيزًا كبيرًا في التغطية الخبرية والإعلامية في وسائل إعلام تابعة لأحزاب سياسية وحركات مختلفة، والتي تسيطر على الإعلام العراقي بشكل مطلق تقريبًا.

فيما اكتفت بعض القنوات بنقل التصريح الخجول للمتحدث باسم مكتب رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، أن عمل المحققين سينصب على تدريب الكوادر وتفعيل التدابير الضرورية في مكافحة الفساد وتحديد أولويات تلك الملفات.

قد يبدو للبعض أن الذي دفع الحكومة إلى ذلك هو السعي من أجل التخلص من الضغوط التي تواجهها اللجان التحقيقية في مختلف قضايا الفساد. فقد نشر موقعا «فيرفاكس ميديا» و«هافنتغون بوست» تحقيقا لما وصفاه بصفقات فساد تحت غطاء عقود نفطية شملت مسؤولين عراقيين رفيعي المستوى. استند التقرير إلى مئات الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني بين شركة «يونا أويل» للطاقة وعدد من شركات النفط الدولية، وتكشف عن ممارسات فاسدة مثل ادعاءات بتلقي رشًى من دول بينها العراق.

لكن اللجوء إلى المحقق الخارجي، رغم أهميته في كشف الفساد، ما هو إلا إعلان رسمي عن عدم جدوى المحققين المحليين ورفعهم الراية البيضاء أمام حيتان الفساد من كبار الطبقة السياسية، وبفشل جميع الأجهزة الرقابية للدولة، ابتداءً من لجنة النزاهة البرلمانية وهيئة النزاهة المستقلة وديوان الرقابة المالية ودائرة المفتش العام، وانتهاءً بالسلطة الرابعة وتأثيرها المفترض على تصحيح السياقات السياسية والنزاهة وصناعة الرأي العام مع منظمات المجتمع المدني.

تمتلك الحكومات الديمقراطية التي تستمد شرعيتها من الشعب حساسية مفرطة للرأي العام، بحيث لا يُحاسِب الرأي العام المسؤول في تلك الحكومات عن أخطائه القانونية فحسب، وإنما يُحاسَب عن أيّ قصورٍ في دائرة مسؤولياته المباشرة وغير المباشرة.

وفي تلك الدول، قد يكون المسؤول غير مدانٍ قانونيًا إلا أن الحساسية المفرطة ترتفع في بعض الحالات لديهم؛ لاعتبارات سياسية وأدبية وأخلاقية نابعة من احترامهم لحقوق الرأي العام، بحيث يبادر المسؤول إلى التخلي عن منصبه والاستقالة احترامًا للرأي العام.

في كل أزمة سياسية أو أمنيّة أو اقتصادية أو حتى اجتماعية يمر بها العراق، تتفاجأ دومًا أن المسؤول الذي ينبغي أن يُطرد بقي. والذي ينبغي أن يبقى طُرد. وبدل أن تنتصر الدولة للرأي العام تقف ضده. وينصدم الجميع حين يرون كيف يتم التسامح مع الفساد، وبدل مكافحته وعقابه يتم مكافأته.

نعم، في كل العالم هناك فَساد ومفسدون، لكن هناك فرق بين أن يكون الفساد استثناء أو أن يكون قاعدة في مؤسسات الدولة. بمعنى أنه نادرًا ما يكون الفساد مستوطنًا في أعلى هرم السلطة، بينما عندنا يحدث العكس. كذلك حين ينكشف أمر الفاسدين، فإنهم يُعاملون بمنتهى الحزم. لا تشفع لهم حصانتهم ولا مكانتهم أمام تطبيق القانون. ولا داعي لتذكيركم بما يحدث عندنا.

نعلم جميعًا ان العراق مريض، ولكن يجب أن نعلم أيضًا أن هنالك مشكلة أو خطأ أو خلل؛ إما مشكلة في الطبيب، أو خطأ في تشخيصه، أو خلل في وصفة علاجه. والبقاء تحت إشراف نفس الطبيب ولقرابة عقد ونصف هو منطق لا يقبله عاقل، وهي مغامرة ومخاطرة بحياة المريض. أقصد بالمريض هنا العراق، وبالطبيب الفئة السياسية الحاكمة، وبالتشخيص كل ما يقولونه عن مكمن الخلل، وبالعلاج كل إجراءاتهم القانونية والإدارية والأمنية.

ما أريد أن أصل إليه هو أن الفساد توأم للإرهاب. وإذا كان الفساد في العراق قد تغلغل في الطبقة السياسية بامتياز فهذا يعني أن جميع أدوات مكافحة الفساد التي تخضع لتلك الطبقة لن تجدي نفعًا. فهي لن تكون قادرة على كشف الفساد ولا على إيقافه ومحاسبته، بل ليس بمقدورها تقديم أي شيء للحد من تفشي مظاهره في ظل هيمنة الأحزاب والميليشيات على أجهزة الدولة الرقابية المختصة بمكافحة الفساد.

خصم الحچي.. وبالعراقي

كل حكومات بغداد ما بعد 2003 ترى الإرهاب يمس هيبتها، بينما الفساد يمس المجتمع. والعرف عند أنظمة كهذه يقول: «إن السلطة هي الأهم والناس ما نشيل إلهم هَم»ْ.

ثم «الإرهابي يستاهل ومبهذل والكل ضده، بينما الفاسد زنكيل ولحمه مرّ». محاربة الأول كلفته مرصودة لا تحتاج لمبررات، بينما الثاني كلفة محاربته باهظة، وصعب تتجاوز في محاربته الخطوط الحمراء.

القضاء على الفساد في بلدنا لن يكتب له النجاح، ما لم تكن هناك حملة توازي حملة القضاء على الإرهاب. حملة تضع الإرهابي والفاسد في منزلة واحدة، تحكمهم سيادة القانون، لا سلطة الغاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد