بانتهاء شهر فبراير (شباط) من كل عام يهمّ الشتاء بالرحيل، إيذانًا ببدء إرهاصات ما قبل فصل الربيع- المعتدلة حرارته والعليل هواؤه نسبيًّا- وهو ما له في نفوس العامة وقعُ السحر الأخَّاذ، فلما يدخل الربيع بعد وقد فُتِن العامة بإرهاصات نسماته الدافئة بعد زمهرير الشتاء، ولم تزل الإرهاصات قائمة، وقد فارق الناس أسِرّتهم، ونزعوا عنها أغطيتهم، وأخمدوا نيران مدافئهم، وخففوا رداءاتهم وأُزُرَهم، ولم يمض يومان أو ضعفهما إلا وقد أصاب هؤلاء وباء الأنفلونزا، والتهابات الجيوب الأنفية وأخواتها، بعد انتهاء موجة الربيع العارضة تلك وانقلاب الشتاء عليها مرة أخرى، ولا يزالون في هذا الفخ من كل عام، يمنون أنفسهم ويضعوا عنهم دروعهم الواقية من البرد، وهلم جرا.

وعلى غرار تلكم الأحداث كانت ثورات الربيع العربي، ابتداءً بتونس ومصر، ومرورًا بليبيا، ووصولًا لما عليه الحال في سوريا واليمن.

فبينما كان الجو مواتيًا للقيام بثورات مكتملة الأركان على طواغيت الشرق الأوسط، والإطاحة بهم وبأذنابهم؛ إذ انقلب الوضع رأسًا على عقب، وكأن ثورات لم تكن، والحقيقة أنها فعلًا لم تكن، أو بالأحرى لم تكن ثورة الشعب على الحكام الطواغيت، بل كانت ثورة أذناب الطواغيت على حكم أولياء نعمتهم -طمعًا فيه- باستخدام غضب تلكم الشعوب المكلومة، واستغلال حاجتها في الإحساس بدفء الربيع، بعدما ظل الشتاء قرابة ربع قرن من الزمان أو يزيد، يأكل من ثيابهم أيما مأكل حتى تركهم أسمالًا بالية. تركوهم يثورون ثورةَ من ليس عنده ما يفقده، من تساوت عنده الحياة بالموت. ولما انقضت ثورتُهم، أو قل لما توهموا بانقضائها، أغاروا عليهم غور الغزاة الغاصبين الذين لا يرقبون في عدوهم إلًّا ولا ذمة.

ولا تقف المعضلة هاهنا، فالدنيا كلها بطبيعة حالها متقلبة لا يدوم لها حال، إن المعضلة الحقيقية في انقلابات الربيع أن الموبوئين منه يستسلمون للوباء أيما استسلام، والحُجة أنه ظرف عارض وسيعود أدراجه بعد انتهاء دورة حياة هذا الفيروس، فلا هم اتخذوا تدابير الوقاية من انتقال عدواه بينهم، ولا هم عالجوا أنفسهم منه، وأكثر من حاول معالجته منهم اتجهوا إلى أدوية عشوائيةٍ غير مخصصة لنوع الوباء.

على كل حال، فالآن لا وقت البكاء على اللبن المسكوب، بل وقت الإعداد لاسترجاع الحق المسلوب.

واسترجاع المسلوب لا يعني بالضرورة سرعة إزاحة الحكام المنقلبين عن سدة الحكم فقط -وإن كان لذلك الأهمية- فهم لا محالة إلى زوال، لكن الأهم من ذلك هو:

– ماذا بعد إزاحتهم؟!

– هل يملك الثائرون خططًا يُسيّرون بها البلاد بعد إزاحة الطغاة؟!

– إلى أي مدى يستطيعون الصمود في وجه طغاة الصفوف الثانية وما خلفها إذا ما حاولوا إعادة الكَرَّة؟!

والأهم من كل ذلك: ما أهم الأهداف التي يرنون إليها من وراء ثوراتهم وأي شيء يسعون لتحقيقه؟!

مما لا شك فيه ولا ينكره ذو لُبٍّ رشيدٍ وقلبٍ فقيهٍ وأذن واعيةٍ بما تدور حولها من وقائع وأحداث؛ أن الساعي بغير هدف كالمسافر لا يعرف أين يولِّي وِجهتَه، مصيرهما محفوفٌ بالتخبط والمصائب، ونهايتهما محتومة بالفشل، فإن كان ظنُّ الثائرين أن مجرد إقصاء تلك الحكومات الجاثمة على صدورهم هي مبلَغ فعلهم وغاية ثوراتهم فهم لا محالة مهزومون. إذ لا بد لأهدافهم أن تكون طويلة المدى، لا لشهر أو سنة أو عقد، إنما يكون هدفًا أبديًّا إلى قيام الساعة، وتلك أولى مراحل الوقاية من وباء الانقلابات.

إن قوة الدول لا تؤول إلا لشيئين رئيسيين: وعي شعوبها عمومًا بفكرة البناء، وقوة إيمان شبابها خصوصًا ومقدار عزيمتهم في تحقيق البناء، فمن هذين العنصرين يبدأ السعي لإقامة دولة منيعة لأي انقلاب عارض، دولة يكون للقادة وصناع القرارات فيها ألفُ ألفِ بديلٍ ينوبونهم وقت الحاجة إليهم في الأزمات العارضة، وإن آليات الوصول لهذين الشرطين كثيرة وفيرة لا يحصرها مقال ولا يسعها كتاب، لكن للحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد