معاداة السامية ترجمة شائعة للمصطلح الإنجليزي «أنتي سيميتزم»، أما معاداة اليهود فهي ترجمة للمفهوم الكامن وراء المصطلح بشكل عام، والمعنى الحرفي أو المعجمي للعبارة هو «ضد السامية»، وتترجم أحيانًا إلى «اللاسامية»، وقد كان الصحافي الألماني اليهودي الأصل ولهلم مار «1818- 1904» أول من استخدم هذا المصطلح عام 1879، في كتابه «انتصار اليهودية على الألمانية ـ من منظور غير ديني»، وقد صدر الكتاب بعد المضاربات التجارية التي أعقبت الحرب الفرنسية البروسية «1870- 1871»، والتي أدت إلى إفلاس كثير من الممولين الألمان ودمارهم، والذين ألقوا باللوم على اليهود في هذه المسألة.

هذا ولو أخذت العبارة بالمعنى الحرفي لها، فإنها تعني العداء للساميين، أو لأعضاء الجنس السامي الذي يشكل العرب أغلبيته العظمى، بينما يشكك بعض الباحثين في انتماء اليهود إليه، ولكن المصطلح «معاداة السامية» في اللغات الأوروبية يقرن بين الساميين واليهود ويوحد بينهم، وهذا يعود إلى جهل الباحثين الأوربيين في القرن التاسع عشر بالحضارات الشرقية، وعدم تكامل معرفتهم بالتشكيل الحضاري السامي، أو بتنوع الانتماءات العرقية، والإثنية، واللغوية لأعضاء الجماعات اليهودية.

وهذا المصطلح يضرب بجذوره في الفكر العنصري الغربي الذي كان يرمي إلى التمييز الحاد بين الحضارات والأعراق، إذ ميز في بداية الأمر بين الآريين والساميين على أساس لغوي، وهو تمييز أشاعه إرنست رينان «1823- 1892»، ثم انتقل من الحديث عن اللغات السامية إلى الحديث عن الروح السامية والعبقرية السامية مقابل الروح الآرية، والعبقرية الآرية، التي هي أيضًا الروح الهيلينية أو النابعة منها، ثم سادت الفكرة العضوية الخاصة بالفولك أو الشعب العضوي، والتي مفادها أن لكل أمة عبقريتها الخاصة بها، ولكل فرد في هذه الأمة سمات أزلية يحملها عن طريق الوراثة، وهكذا انتهى الأمر إلى الحديث عن تفوق الآريين على اليهود «الساميين»، وأنه هو هذا العنصر الآسيوي المغروس في وسط أوروبا، كما دار الحديث عن خطر الروح السامية على المجتمعات الآرية، وشاع المصطلح منذ ذلك الوقت، وقام الدارسون العرب باستيراده وترجمته، كما فعلوا مع كم هائل من المصطلحات الأخرى، وبدلًا من ترجمة المصطلح كان يجب هنا توليد مصطلح جديد هو «معاداة اليهود»؛ لأنه أكثر دقة ودلالة، كما أنه أكثر حيادًا، ولا يحمل أي تضمينات عنصرية، ولا أي أطروحات خاطئة.

لكن بعض الكتاب الغربيين يميلون إلى التمييز بين «معاداة اليهودية» و«معاداة السامية»، إذ إن معاداة اليهودية حسب تصورهم هي عداء ديني للعقيدة اليهودية وحدها، وبالتالي كان بإمكان اليهودي أن يتخلص من عداء المجتمع له باعتناق المسيحية، أما معاداة السامية فهي عداء لليهود بوصفهم عرقًا، وبالتالي فهي عداء علماني لا ديني ظهر بعد إعتاق اليهود وتزايد معدلات اندماجهم، وهذا النوع من العداء يستند إلى نظريات ذات ديباجات ومسوغات علمية عن الأعراق عامة، وعما يقال له «العرق اليهودي»، وعن السمات السلبية الافتراضية «الاقتصادية والثقافية» الثابتة والحتمية لليهود اللصيقة بعرقهم، وتصحب مثل هذه الدراسات إحصاءات عن دور اليهود في التجارة والربا مثلًا، وفي تجارة الرقيق عامة والرقيق الأبيض على وجه الخصوص، ومعدلات هجرتهم، ثم تستخلص نتائج عرقية منها، وبالتالي إذا كانت معاداة اليهودية تعبيرًا عن التعصب الديني، فإن معاداة السامية حسب هذه الرؤية، هي نتيجة موقف دنيوي بارد يستند إلى حسابات المكسب والخسارة، وإلى الرصد العلمي لبعض السمات اللصيقة بما يسمى «الشخصية اليهودية».

هذا ويرى المنادون بهذا الرأي أن معاداة السامية بدأت في القرن التاسع عشر «أساسًا»، وإن كان بعضهم يرى أن عداء الدولة الإسبانية ليهود المارانو «وهم اليهود الذين تنصروا» هو عداء ذو دافع دنيوي، إذ أن هؤلاء المارانو، بحسب إحدى النظريات، كانوا مسيحيين بالفعل، ولكن مقياس النقاء العرقي «نقاء الدم» الذي حكم به عليهم، لم يكن مقياسًا دينيًّا وإنما كان مقياسًا عرقيًّا، كما وكان الدافع وراء اضطهادهم هو رغبة الأرستقراطية الحاكمة، أو بعض قطاعاتها على الأقل، في التخلص من طبقة بورجوازية جديدة صاعدة كانت تتهددها، ومن هنا منع المارانو من الاستيطان في المستعمرات البرتغالية والإسبانية؛ لتقليل فرص الحراك أمامهم.

وهكذا كانت هذه الحركة تعبر عن اتجاه دنيوي، ولكنها تستخدم الخطاب الديني لتبرير غاياتها، ومن هذا المنظور الطبقي العرقي، يصبح اليهودي المندمج هو أكثر اليهود خطورة، فهو يهودي «أي بورجوازي» يدعي أنه مسيحي؛ ليحقق مزيدًا من الحراك والصعود الاجتماعي، ولذا لا بد من وقفه والحرب ضده برغم تبنيه العقيدة المسيحية.

وهذا الموقف يناقض الموقف القديم لمعاداة اليهود؛ إذ كانت الكنيسة ترحب بمن تنصر، فالنبلاء البولنديون المسيحيون على سبيل المثال كانوا يتزوجون من أعضاء الأسر اليهودية المتنصرة حتى القرن الثامن عشر، وقبل ذلك كان الوضع نفسه سائدًا في مملكتي قشتالة وأراجون في القرن الخامس عشر، كما، ومن المعروف، أن الكنيسة وقفت ضد أي تعريف عرقي لليهودي يخضعه للحتميات البيولوجية شبه العلمية، وبالتالي فتحت أمامه أبواب الخلاص.

وقد اختلط المجال الدلالي للمصطلح تمامًا في اللغات الأوروبية بعد ظهور الصهيونية، فبعد سيطرة الخطاب الصهيوني على النشاط الإعلامي الغربي، لم تعد هناك تفرقة بين ظاهرة معاداة اليهود في الدولة الرومانية، وظاهرة معاداة اليهود في العصور الوسطى المسيحية، كما ولم يعد هناك تمييز بين معاداة اليهود على أساس عرقي، وبين معاداة اليهود على أساس ديني، وأصبحت معاداة الصهيونية، بل الدولة الصهيونية هي الأخرى، تصنف بوصفها من ضروب معاداة اليهود، وحينما كانت دول الكتلة الشرقية تصوت ضد إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة، كان هذا يعد أيضًا تعبيرًا عن تقاليد معاداة اليهودية الراسخة فيها، وبالمثل عد قيام فرنسا ببيع طائرات الميراج لليبيا تعبيرًا عن الظاهرة نفسها، بل يذهب أنصار هذا الرأي إلى أن نضال الشعب الفلسطيني ضد الاستيطان الصهيوني تعبيرًا عن الظاهرة نفسها، وهكذا اتسع المجال الدلالي للمصطلح واضطرب ليضم عدة ظواهر لا يربطها رابط، حتى أصبح بلا معنى، وأصبح أداة للإرهاب والقمع الفكريين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - عبد الوهاب المسيري
عرض التعليقات
تحميل المزيد