بين كل حين وآخر يخرج علينا شخص ما منصبًا نفسه قائدًا لتنوير هذه الأمة ومجددًا للفكر في العصر الحديث، مغترًا بنفسه وبعلمه الضئيل، مستخدمًا أساليب الساحر الذي يوهم الناس بأن هناك سلمًا للنجاة ويشير لهم بالصعود نحو طريق يظنه هو طريق الشهرة والمجد، وفي الحقيقة هو طريق السقوط في الهاوية.

والمدهش في الأمر أنه قد يجد بالفعل طريقه نحو الشهرة ممهدًا ومفروشًا بالورود وخاليا من أية عوائق، بل على العكس تماما فهناك من يزيل من أمامه كل الحواجز، فها هي قنوات الإعلام تفتح أبوابها وتمد له ذراعيها وتتلقفه القنوات هنا وهناك للظهور على شاشاتها.

نظرية الصدمة

لقد اعتاد الإعلام العمل على توجيه الرأى العام لما يخدم قضيته وتوجهاته حتى وإن كانت قضية خاسرة، فقط يستوقفهم كل ما هو غريب ومثير لجلب مزيد من الشهرة ومزيد من المكاسب المادية، ولا يهم ما يرتكبوه في حق المشاهد من التجهيل المتعمد حتى لا يصبح لديه وقت للتفكير في الطرق السوية لمواجهة هذه الأفكار الهدامة.

فعندما يستضيف الإعلام شخصًا مدعيا أنه هو المهدي المنتظر لكي يفرز لنا أسوأ ما لديه من تشوهات فكرية وعقائدية مدعيا بأنه قد «نصب فخا» على حد تعبيره ليرى رد فعل الناس والإعلام تجاه ما قيل، وبدعوى أنه يعتمد على نظرية «الصدمة» لإفاقة الأمة الغرقى، بل ويزداد الأمر سوءا فيجد طوال الوقت من يشجعه على الاستمرار في كل هذا العبث.

التناظر ما بين مؤيد ومعارض

ومع كامل احترامنا وتقديرنا لعلمائنا الأفاضل الذين نثق في صدق نواياهم، والذين قاموا بواجبهم تجاه العلم الذي يحملوه بين أيديهم وحملوا راية التنوير عن حق وليس ادعاءً، وأخذوا على عاتقهم مسئولية الرد على تلك الأفكار التي طرحت تحت شعار «مناقشة أصحاب الفكر والرأى الآخر»، فمن من وجهة نظر البعض أنه قد تم إقاحمهم من قبل الإعلام حتى أصبحوا جزءا من هذا «الشو الإعلامى» بدعوى المناظرة والدخول في جدال لا طائل منه، قد يزيد الجاهل تشبثا بجهله من باب إثبات صحة موقفه ومن باب العند أحيانا أخرى، فقد ينتصر جاهل رغم ضآلة علمه على عالم قوى الحجة كما قال سيدنا علي بن أبي طالب رضى الله عنه «لا تجادل الأحمق، فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما«.

وإن كان لا بد من التناظر فليكن بين العلماء بعضهم البعض، حتى لا يختلط الأمر على العامة الذين يحملون من العلم القليل منه، فالتناظر يكون مثمرا عندما يكون مع أصحاب الفكر الهادف البناء الذي يخدم المجتمع، وقد نختلف على آليات التنفيذ ومدى ملاءمتها، ولكن لن نختلف على قيمة الفكرة وقيمة صاحبها.

الرهان الخاسر

لقد أصبح الإعلام يتعامل معنا من منطلق أننا لعبة يحركها ويوجهها كيفما يشاء وله كل العذر في ذلك، فلقد راهن علينا عشرات المرات بل قل مئات المرات وفي كل مرة يكسب الرهان بنجاح ساحق يجعله يعاود الرهان في كل مرة دون تردد.

هل تذكر كم مرة اكتشفت فيها زيف بعض الصحف والإعلام في كثير من القضايا، وفي كل مرة يعودون أقوى وأكثر زيفًا من قبل، فقط لأنهم لم يجدوا من يردعهم أو حتى يقاطعهم، وفي كل مرة يكون الرهان على ذاكرة الشعوب التي تنسى سريعا وتسامح بشكل أسرع وبدون حساب.

لعبة الكراسي الموسيقية

وهذه لن تكون أول ولا آخر مرة لظهور المهدي المنتظر وغيره من أصحاب الفكر الشاذ، سيخرج علينا المزيد من المدعين بين الحين والآخر، يريدون أن ينشروا فكرهم على أطلال العلم الذي ورثناه من علمائنا الكبار الأفاضل، بحجة تجديد الخطاب الدينى وإيقاظ الأمة، لأنهم قد استمرؤوا تلك اللعبة المسلية «الكراسي الموسيقية» فمن سيدوم أكثر على كرسي الشهرة؟، تلك اللعبة التي تجعل منهم مادة لحديث العامة في المنازل والمقاهي، وإني لأتعجب حقا لماذا لم يخرج علينا المسيخ الدجال حتى الآن على شاشات التلفاز؟!،هل لأنه يمثل رمزا للشر والظلم عكس ما يفضله الجميع وهو التشبه بالملائكة مرتدين ثوب الفضيلة؟!

المواجهة بالعلم

وإن كنا مستائين حقا ونريد الإصلاح، فيجب علينا أن نتعلم أولا العلم الحقيقي من مصادره الموثوقة، ليكون لدينا القدر الكافي من المعرفة التي تمكنا من أن نردع مثل هؤلاء ولا نعطي لهم الفرصة لتحقيق مصالحهم وأغراضهم الشخصية على حساب قلة الوعي عند بعض الجماهير.

يجب أن نأخذ منهم موقفًا صارمًا ونعلنها لهم صراحة «لقد أصبنا بالملل من تلك المسرحيات الهزلية التي لا تحترم عقولنا وتورمت أيادينا من كثرة التصفيق يا سادة».

مواصفات مهدي هذا الزمان

نحن مازلنا ننتظر إعلامًا جادًّا يناقش قضايا الأمة بدون مواربة وبعيدا عن لعبة المصالح، نحن نتظر المهدي الذي يدعو الناس للتنمية وللعمل، والذي ينير طريق الناس في شتى المجالات الحياتية في التجارة والصناعة والثقافة وغيرها، مهديا حقيقيا يجمع شمل الأمة لا يفرقها.

وحين ترى النماذج المحترمة من أصحاب الفكر المستنير المتزن مع ثوابتنا وعقائدنا هي السائدة وهي التي تظهر لنا على شاشات التلفاز، حينها فقط تستطيع أن تقول أننا قد نجحنا في توجيه دفة السفينة التائهة في عرض البحر نحو بر الأمان.

ولأن الخير في أمتي ليوم الدين كما قال رسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهناك بالتأكيد نماذج طيبة في الإعلام ولكن أصبحنا لا نراها من كثرة الخبث، ومن باب التفاؤل في إعلام أفضل ومكانة أفضل سننتظر اليوم الذي يطل فيه علينا من شاشة التلفاز إعلاما «مهديا» على حق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد