في 1963 وقف الأفندي رب أسرة – من الطبقة المتوسطة- أمام زوجته زاعقا “عشت وشفت بنت ليا بتشترك في مظاهرة”، ثم جاء حذائه على أم رأس ابنته طالبة الثانوي، ليعلمها الدرس الأهم؛ إذا خرجتي مرة أخرى تهتفي “تعيش مصر حرة”، فليبقى في مخيلتها مشهد زحفها على الأرض هرباً من حذائه فيما ستكتفي أمها بالامتعاض من على بعد، وهو يصرخ فيها “لو عملتيها مرة تانية..هقتلك”.

في 2014 تقوم السيدة العجوز بسحب حفيدتها تحت قدميها، صارخة في نسوة الحارة حولها “هاتوهإلى”، شارعة في جز شعرها ، وتدوس بقدمها على رأسها عقاباً على ما وصل إلىها من كلام أهل الحارة أنها حفيدتها لإبنها المتوفي أقامت علاقة غير شرعية مع أحدهم.

نصف قرن من الزمان فصلت بين عملين سينمائيين: الباب المفتوح، وفتاة المصنع، كانت كفيلة أن تخلق واقعاً جديداً لحياة المرأة المصرية، تخرج معه معالجات سينمائية جديدة لما يحمله هذا الواقع من تحديات ومشكلات، ومع ذلك تبدو حياة نون النسوة في مصر وكأنها تجمدت عند تلك اللحظة التي رفع فيها الأب حذائه ليعاقب ابنته على خروجها في المظاهرات؛ لحظة القهر الخالصة التي عاشتها ليلى إبنة الطبقة المتوسطة في ظل ثورة يوليو، وتعيشها إلهام إبنة المنطقة الشعبية والطبقة الفقيرة في ظل ثورة يناير.

فيما يجادل الكثيرون أن النسوة في بلادنا تحصلن على حقوقهن على مر السنوات الماضية مقارنة بالوضع آنذاك مع مطلع الحركة النسوية المصرية في القرن الماضي، جسد المبدع محمد خان في المشهد السابق لبطلة فيلمه فتاة المصنع، وضع لم يختلف البتة عن وقع الحذاء على رأس ليلى –فاتن حمامة- في الباب المفتوح؛ إن الجنين بمجرد تحديد جنسه أنثى، ويكتمل وصوله إلى الحياة تبدأ عقارب الساعة تحسب حياتها محملة في كل ثانية بأحكام مسبقة ترسم سكناتها وحركاتها وتحد أنفاسها، وعلىها أن تخضع لها وتصبح طوقا على رقبتها، إذا ما حاولت إعادة العقارب إلى الوراء ، يضيق الخناق أكثر، ومع هذا يأت بصيص الأمل من القلة الناجية التي مزقت ذلك الكتاب المقدس الذي يفرض علىها مطابقة أفعال المرأة مع  توقعات المجتمع، وصنعن الحياة بغزل دقيق ومتناغم رغم تشابك الكثير من الخيوط.

بالطبع لن أجادل أن الأحكام المسبقة في مجتمعنا لا تفرق بين رجل وامرأة، وأن كلاً من يولد، ومعه قائمة الأوامر والنواهي الخاصة التي تمليها عليه الأسرة والمدرسة والكنيسة أو المسجد، ثم مدراء العمل، ثم رفقاء الحياة، ودوإلىك حتى تواري الثري، ولكن ألا تحمل كرومسوم Y، فهذا يعني أن الأنثى لها حظ الذكرين من القهر والألم والسحق، وهذا لا يقتصر على طبقة بعينها، حيث عايشته مع نساء يحملن الدكتوراه والماجستير، وأخرىات يعملن خادمات.

من دفتر أحوال القهر في الألفية الثالثة، الختان تلك العادة المستمرة منذ آلاف السنوات وتصدر حكما مسبقا على الفتاة أنها ستقطع في المعصية، وغطاء الشعر الذي تحول من فريضة دينية إلى طلب شرط اجتماعي للزواج والحصول على صك رضا المجتمع بأنك حظيت بلقب “البنت المحترمة”، الطلاق ذلك الحل الديني لاستحالة العشرة بين زوجين، الذي تصبح بعده المرأة لو أقدمت على  اتخاذه لا سمح الله، “سكند هاند” أو مستعملة، وإذا رغبت في الزواج مرة أخرى ولها أطفال، تصبح امرأة شهوانية، فضلاً عن أن المعيشة بعيداً عن أهلك سبب كافياً للظن في سوء سلوكك وأن هناك من لا يسيطر على رغباتك الجنسية الجامحة.

مصيبتنا أن تلك الأحكام لا يقف فقط على إصدارها الرجال، بل تجد النساء أكثر حرصاً على الخوض في أعراض من يجدهن ناشزات عن كتابهن المقدس؛ فوالدة ليلى في البيت المفتوح كانت النموذج المستكين أمام قهر الزوج، وتقدم له مبررات على تحكمه في حياتهم، وجدة هيام ونساء الحارة نموذج سافر آخر عن من ينفذ العقوبة فوراً في بنت متهمة بسوء  السمعة، دون إعطائها ولو حق المرافعة.

في تلك الصورة القاتمة، تجد من يدفع عنها الظلم، ولكن استجابتها تتوقف على ما تبقي لها من إرادة لم تطلها يد القهر المجتمعي؛ فقد رأيت فتيات في العشرين سُلبت أرواحهن في قهر بدأ مع التحكم في سلوكهن وعلاقتهن بالله ثم حرمانهن من التعليم أو إجبارهن على دراسة معينة، ثم اختيار زوج بعينه، وعندها توقفت عن حكمي المتعجرف ضدهن بأنهن لم يستجبن لنصائحي المعلبة عن الانطلاق والتحرر. لكن على الجانب الآخر، كان هناك حسين عامر، ذلك المناضل الوطني الذي أحب ليلى، فكتب إليها متفهماً خوفها منه بسبب تجربتها السابقة التي انتهت بخيانة حبيبها لها، فقال لها : “أنا أحبك وأريد منك أن تحبيني، ولكني لا أريد منك أن تفني كيانك فى كياني ولا فى كيان أى أنسان. ولا أريد لك أن تستمدى ثقتك فى نفسك وفى الحياة مني أو من أي أنسان. أريد لك كيانك الخاص المستقل، والثقة التى تنبعث من النفس لا من الأخرىن”.

تلك الكلمات المنمقة الرائعة عبرتها عنها بطريقتها أم هيام، سيدة من الطبقة الفقيرة وتزوجت مرة أخرى بعد وفاة والد هيام، عندما وقفت تدافع عن ابنتها أمام زوجها وأخواتها حاملة سكينة، صارخة فيهم “اللي هيجي جنب بنتي هقطعه”.

كانت هيام من المحظوظات التي وجدن الإرادة لتنسج حياتهن رغم الوجع، فحققت نذرها ورقصت في فرح من أحبته وخيب ظنها مسببا لها في فضيحة وسط حارتها، في مشهد عبقري يحاكي مشهد رقصة سعاد حسني بدلاً من أمها الراقصة في “خلي بالك من زوزو“، لم تخش هيام المعازيم والعريس والعروسة، فقط وقفت على أناملها ترقص على وقع الموسيقي محاولة إعادة الساعة إلى الوراء مرة أخرى، لاستعادة كرامتها التي ذُبحت على معبد السمعة والفضيحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد