أحمد التومي
أحمد التوميالتومي

الغرر لغةً واصطلاحًا

الغرر له أصول ثلاثة صحيحة ذكر منها النقصان: وهو الخطر الذي لا يدري أيكون أم لا؟!

مثال: بيع العبد الآبق، والطائر في الهواء، فهذا ناقص لا يتم البيع فيه أبدًا، وقيل بأن الغرر هو الخطر، ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر كبيع السمك في الماء، والطير في الهواء.

وقيل: إن بيع الغرر المنهي عنه ما كان له ظاهر يغري المشتري، وباطن مجهول.

ويقال في التحذير: إياك، وبيع الغرر؛ أي أن يكون على غير عهدة، ولا ثقة، وعليه سمي الشيطان «غرورًا»؛ لأنه يحمل الإنسان على ما يحبه، ووراء ذلك ما يسوؤه، فظاهره يؤثر، وباطنه يكره.

وأما كلام الفقهاء فقال السمر قندي في الكلام على أنواع البيوع الفاسدة منها: أن يكون في المبيع، وفي ثمنه غرر، مثل: بيع السمك في الماء، وهو لا يقدر على تسليمه بدون الاصطياد والحيلة، وبيع الطير في الهواء، أو بيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه إليه؛ لأنه باع ما ليس بمملوك له في الحال، وفي ثبوته غرر وخطر.

استقالة الغرر

تولى السادات الحكم بالنيابة بعد وفاة عبد الناصر في وسط ضجيج، وتمرد سياسي من قيادات النظام الناصري، إلا أن الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري آنذاك ساند الشرعية الدستورية، فارتكن إليه السادات في اتخاذ قراراتٍ صارمةٍ بقبول استقالة أهم رجال الدولة حينها، وهي استقالة مدروسة لنشوب حالة من الفراغ الدستوري، يترتب عليها انقضاء الشرعية الدستورية لنظام الحكم، وإجراء انتخابات رئاسية، وتشريعية من شأنها أن تأتي بحزب الأغلبية «الحزب الاشتراكي» إلى سدة الحكم، لكن السادات قبل الاستقالة الجماعية، ووصف الأمر بأنهم لا بد أن يحاكموا بتهمة الغباء السياسي.

السادات لم يكن ليبدو هذا الشخص الداهية لولا ارتكانه إلى موقف الليثي ناصف من الشرعية الدستورية، وبعد أن ثبَّت السادات أركان نظامه وحكمه، أقال قائد الحرس من موقعه، ثم سافر الليثي ناصف مع أسرته إلى لندن لتلقي العلاج فتوفي في ظروفٍ غامضةٍ، إثر سقوطه من الطابق الحادي عشر من غرفته، وتضاربت الأقوال حول انتحاره، واغتياله، وأشارت أصابع الاتهام إلى تورط السادات، وأجهزة نظامه في اغتيال الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري في عهده، وحُلل ذلك أن الحاكم المستبد لا يستطيع تحمل وجود شخص عاصره في أوقات ضعفه.

وهذا ما حدث، الليثي ناصف عاصر السادات في لحظات ضعفه، وهذا كان يؤرق السادات، وهنا مربط الفرس، ومن هنا أيضًا يتضح موقف عبد الفتاح السيسي من قيادات المجلس العسكري الذين عاصروا لحظات ضعفه، ابتداءً بأحمد وصفي، ثم صهره محمود حجازي، ثم سامي عنان، ثم أسامة عسكر، ثم صدقي صبحي، وما محمد أحمد زكي ببعيد، وإن عُيَّن وزيرًا مؤقتًا للدفاع، فزكي أيضًا عاصر السيسي في لحظات ضعفه، والبقية تأتي.

في اليوم العصيب أحداث الاتحادية، والذي تكهن بعض الخبراء أنه ساعة الذروة، إلا أن السيد رئيس الجمهورية حينها رفض الاعتراف والقبول بذلك، معللًا أن ساعة الذروة هي ساعة سفك دمه، وفي أوامر صريحة منه بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة أمر السيد قائد الحرس الجمهوري بحماية القصر، ومنع المتظاهرين من اقتحامه بعد أن حاولوا تحطيم سور القصر بالبلدوزر في وسط أجواء من الرعونة، والإهمال، واللامبالاة من قائد الحرس.

حينها أجاب أوامر رئيس الجمهورية «أنا بتقاضى مرتبي من القوات المسلحة، وباخد أوامري من السيد وزير الدفاع»؛ فانتاب رئيس الجمهورية آنذاك حالة من القهر، فصرخ قائلًا: هتتحاسب يا محمد يا زكي، وتمر الأيام ويُحاسب السيد رئيس الجمهورية، ويُحكم عليه بأحكامٍ عدة بالإعدام والمؤبد، ويُواجه اتهامات بالخيانة والعمالة، ومن ضمن الأحكام الصادرة حكم ثبت بشهادة اللواء محمد زكي قائد الحرس الجمهوري أن الدكتور محمد مرسي أمره بإطلاق النار على المتظاهرين مرارًا، إلا أنه رفض إراقة دماء المصريين في مشهد تمثيلي رائع ضمن محاكمة عبثية؛ فالرجل متواطئ كالبحر مع حركتي المد والجزر.

ومن ثم صدق محمد زكي ما عاهد السيسي عليه، واليوم صدق معه السيسي، فعينه وزيرًا للدفاع بعد قبول استقالة الغرر من رفيق دربه، وشريكه في الانقلاب، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع، الفريق أول صدقي صبحي.

دستورية تغيير الفريق أول صدقي صبحي

قرار تغيير الفريق أول صدقي صبحي القائد العام للقوات المسلحة، وزير الدفاع السابق، قرار دستوري على عكس الشائع، فطبقًا للدستور:

1- المادة «174» المُقَرَّة أعطت رئيس الجمهورية الحق في تعيين وزير الدفاع من بين ضباط القوات المسلحة لمدة دورتين رئاسيتين «ثماني سنوات» بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة عليه دون الإخلال بحق الرئيس في عزله.

2- المادة «146» أن رئيس الجمهورية هو المنوط بتكليف رئيس مجلس الوزراء لتشكيل الحكومة، وعرض برنامجها على مجلس النواب، فإذا لم تحصل الحكومة على ثقة أغلبية المجلس، يُكلف رئيس الجمهورية رئيسًا آخر للوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أغلبية مقاعد المجلس، وإذا لم يحصل المرشح الجديد على ثقة أغلبية المجلس مرة أخرى يُعد المجلس منحلًا، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد.

3- العُرف السياسي جرى في معظم دول العالم على إعادة تشكيل الحكومة، عقب إجراء الانتخابات الرئاسية، باعتبار أنه من المفترض أن رئيس الجمهورية الذي انتخب، قد انتُخب وفقًا لبرنامج سياسي جديد، يتطلب تشكيل حكومة تتحمل تنفيذ هذا البرنامج في ضوء الإرادة الشعبية.

4- قال المستشار بهاء الدين أبو شُقَّه رئيس اللجنة التشريعية بمجلس النواب: إن النص الدستوري أوجب تقديم الحكومة استقالتها؛ نظرًا لأن انتخاب الرئيس يُنتج فترة سياسية جديدة برئيس جمهورية جديد.

5- السيد رئيس الوزراء شريف إسماعيل تقدم باستقالةٍ جماعيةٍ عن نفسه وحكومته، والفريق صدقي صبحي بصفته وزيرًا في الحكومة طبقًا للعرف السائد فُرِضَ عليه تقديم استقالته ضمن الاستقالة الجماعية للحكومة، وعلى ذلك قَبِلَ رئيس الجمهورية الاستقالة؛ أي ليس هناك ثمة إقالة أو عزل لوزير الدفاع السابق الفريق أول صدقي صبحي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك